لاح الفجرُ في الأفق، وتسللت خيوطٌ رمادية هزيلة لتبدد الظلام، ومع تمدد الضياء شيئا فشيئا، تقهقرت الرماديةُ خجلا أمام زرقةٍ شاحبة بلون الجليد، بينما استمرت الأشجارُ في ارتجافها المرير، تنحني برقة مع النسائم الباردة.
وصل سديم ومعه المقاتل بلانو، ذلك الرجل الذي يمتلك جسدا نحيلا يوحي بالضعف لكنه يضمر قوة فتاكة، واتجها مباشرة إلى أعماق الغابة بحثا عن أي أثر يدل على الخاطف.
عاد سديم إلى البقعة ذاتها التي اختطفت منها لينا، وجابت عيناه الأرض بتركيز حاد، حتى وقع نظره على أثر دم لينا الملطخ فوق العشب الأخضر، كان اللون الأحمر القاني يبدو صارخا وسط خضرة المكان الداكنة.
جثا سديم على ركبتيه ببطء، وأطلق زفيرا طويلا كأنه يخرج بقايا روحه، مدركا أن غيابها لم يكن خطف عابر، بل كان انتزاعا عنيفا يشوبه شعور بالذنب لأنه لم يحمها. بدأ عقله يصور له مشاهد مخيفة لما قد يفعله بها الخاطف المجهول، فاحمرت عيناه من جديد حتى بدتا وكأنهما ستنزفان دما، وارتفعت حرارة جسده لتلفح الهواء البارد من حوله، فهمس لنفسه بتهديد، وكأنه المجهول أمامه:
- أقسم، إن لمستها سأقتلك.
وسط لجة غضبه العارم، لمح سديم طيفين رماديين يمرقان بين جذوع الأشجار بسرعة خاطفة تجعل ملامحهما مجرد ظلال مبهمة، انتفض واقفا، وخرج صوته هادرا يملأ جنبات الغابة بالتهديد:
- اخرجا، هذا أفضل لكما... من أنتما؟
توقف الطيفان بغتة، ثم بدآ بالتقدم نحوه بخطوات بطيئة وحذرة، يخرقان صمت المكان بوقع أقدامهما على الأوراق الجافة، ومع اقترابهما، بدأت التفاصيل تتضح تحت الضوء الباهت المنكسر بين الأغصان؛ كانت الساحرة إيزميرا، وبجانبها مساعدها الذي لا يفارقها كأنه ظلها الملتصق بها.
ما إن وقع بصر سديم عليها حتى سرى اضطراب حاد في جسده، كأن تيارا من النار ضرب عروقه، تقدم نحوها بخطوات واسعة والشرر يتطاير من عينيه، غير أن إيزميرا رفعت يدها بحركة هادئة ومتزنة، وكأنها تضع جدارا غير مرئي من الهواء البارد بينهما، وقالت بنبرة واثقة لا تهتز:
- أعرف جيدا من أخذ لينا.
تسمر سديم في مكانه وكأن الأرض قد قبضت على قدميه، وانطفأت حمرة الغضب في عينيه فجأة، وحل مكانها سواد عميق يعكس حيرة وخوفا دفينا بدأ يتسلل إلى قلبه.
ارتخى توتر كتفيه المشدودين، وسألها بصوت خافت غلفه الارتباك:
- من؟... من؟!
أمالت الساحرة رأسها جانبا، وارتسمت على شفتيها ابتسامة غامضة، وردت بصوت أجش:
- لن أقول إلا بشرط.
اشتعلت ملامح سديم مجددا، واصطكت أسنانه بحدة وهو يزمجر بنبرة حادة:
- لا بد أنك تكذبين... أقسم إن كنت تلعبين بي...
قاطعته إيزميرا ببرود تام وهي تشير بسبابتها نحو السماء، حيث كان غراب أسود يحلق في دوائر ضيقة ومقبضة فوق رؤوسهم:
- لا، أنا لا أكذب. غرابي شاهد كل شيء، وعيناه لا تخطئان أبدا.
امتعظ وجه سديم، وظهرت تجاعيد الضيق والنفور على جبهته؛ فهو يمقت هذه الساحرة منذ أمد بعيد ويرى فيها أصل المشكلة، لكن صورة لينا وهي تواجه مصيرا مجهولا بين يدي الغرباء لاحت أمام ناظريه مرة أخرى، فاستسلم لواقع الحال المرير.د، زفر بضيق يملأ صدره، وسأل بصوت متهدج:
- ما هو شرطك؟
نظرت إليه إيزميرا بعينين تلمعان بإصرار يائس، وقالت:
- أن تساعدني في إخراج ابنتي من قبضة الملك شهام.
اتسعت عينا سديم بذهول صاعق، ثم خرجت منه ضحكة قصيرة مشوبة بالمرارة:
- تمزحين، أليس كذلك؟
- لا أمزح.
ارتسمت علامات الحيرة والتشتت على وجه سديم، ورفع يده يمسح وجهه كأنه يحاول الاستيقاظ من كابوس، ثم قال بنبرة ملؤها الاستغراب:
- تعرفين جيدا أنه من ألد أعداء المملكة والأقوى، وبالأمس فقط تم الصلح بيننا بصعوبة بالغة، ثم ماذا تفعل ابنتك عنده؟ هل خطفها؟
أخفضت إيزميرا بصرها نحو الأرض، وتغيرت نبرة صوتها لتصبح أكثر حدة ووجعا، وقالت:
- نعم، أخذها عنوة عقابا لي ولابنه، لأنه لم يوافق قط على زواجنا... لقد قتل ابنه بدم بارد، واختطف ابنتي.
جمدتْ الصدمة ملامح سديم، وردد بذهول:
- مستحيل... أتقصدين أنك كنت متزوجة من وريث مملكة آسن؟ لم نسمع بهذا قط في أرجاء الممالك.
- لأنه كان زواجا سريا، تم بعيدا عن ضجيج الحياة وصراعات الحكم.
طأطأت إيزميرا رأسها، وغابت في لحظة صمت ثقيلة، بدأت خلالها ملامح وجهها القاسية تلين وتتكسر تحت وطأة الذكريات الأليمة، استرجعت في مخيلتها أيام زواجها القليلة والجميلة، قبل أن يقتحم الحرس مخبأهم الصغير وينتزعوا زوجها منها ليقتل لاحقا دون أن تودعه الوداع الأخير.
تذكرت كيف هربت بطفلتها وهي تلهث والذعر ينهش قلبها، قبل أن يعثروا عليها وينتزعوا الصغيرة من بين يديها بقسوة.
لسنة كاملة، عاشت إيزميرا وهي تعتقد أن ابنتها قد فارقت الحياة، إلى أن وصلها خبر يقيني بأنها ما تزال تتنفس خلف جدران القصر.
لم يكن سحرها وحده كافيا لاختراق حصون الملك شهام، فهم يملكون من السحرة ما يفوق قوتها بمراحل.
نظرت إلى سديم بعينين يملؤهما الأمل الممزوج بالانكسار؛ فهي تدرك الآن أن خطتها لن تكتمل إلا بوجوده، وبمساعدة مساعدها المخلص وبعض الحلفاء الذين جمعتهم ف
ي الخفاء، لعلها تستعيد قطعة من روحها المفقودة.
