Cherreads

ملوك الظلال، أباطرة العشق والدم

DaoistnB7iel
7
chs / week
The average realized release rate over the past 30 days is 7 chs / week.
--
NOT RATINGS
2.2k
Views
VIEW MORE

Chapter 1 - الفصل الأول

عندما وصلت لينا، كان المنزل قد استحال إلى مكانٍ غريب. الإضاءة خافتة مائلة للصفرة، والهواء غليظ يصعب استنشاقه.

استقبلتها سوزان بامتنانٍ يمتزج بالقلق، بينما كان الشيخ يجهز مباخر وأوراقا طلاسمها غير مفهومة.

بدأ الشيخ يتمتم بكلمات غير مفهومة وهو يحرك المبخرة، فانتشر دخان كثيف ذو رائحة نفاذة غطى الأرجاء، وطلب من لينا الجلوس في المنتصف، وقال بعينين حادتين:

- أغمضي عينيكِ الآن، ولا تفتحيهما مهما حدث، الأتباع سيتولون نقلكِ.. تذكري، هم يشبهوننا، فلا تذعري.

أغمضت لينا عينيها، وسرت برودة غريبة في أطرافها رغم حرارة الدخان.

وفجأة، أحست بأن الأرض تتلاشى من تحتها، وجسدها صار خفيفا كأن الجاذبية قد تخلت عنه. 

وفي تلك اللحظة التي اختلط فيها الواقع بالوهم، سمعت صوتا مألوفا جدا يهمس في أذنها بنبرة دافئة بعثت في روحها قشعريرة هزت كيانها:

- لينا!... هذا مستحيل.

قاومت لينا لكي لا تفتح عينيها كما طلب الشيخ، ولكنها فشلت، وفتحت عينيها رغما عنها من الصدمة، لأنها سمعت ذلك الصوت الذي تعرفه جيدا. 

لم تعد في غرفة شيماء، كانت تقف في زقاقٍ طويلا ضيقا لا نهاية له، يغمره ضوء أزرق بارد كأن المكان غارق تحت محيطٍ عميق.

وأمامها تماما، كان يقف صديقها الغريب الذي اختفى منذ سنة. 

كان يواجهها بتلك الابتسامة الهادئة والغامضة التي اعتادتها في ردهات الجامعة.

دارت الدنيا بلينا، وتلاشت ملامحه تدريجيا أمام عينيها العسليتين، وخانتها قواها لتسقط في الظلام، غائبة عن الوعي قبل أن تنطق بحرف واحد.

قبل ذلك 

******

تكاثفت السحب في السماء، وغيّبت ضوء الشمس تماما، فيما اشتدت الرياح التي كادت تقتلع أغصان الأشجار.

ومع تزايد هذا الشعور بالانعزال بسبب الأمطار، آثرت لينا البقاء في غرفتها، مفضلة دفء سكينتها على صخب الجامعة الذي بات يثقل كاهلها.

استلقت على فراشها تراقب النافذة في صمتٍ مطبق، تاركة لنفسها حرية الغرق في لجّة الأحداث الأخيرة التي بدّلت موازين حياتها تماما.

انبعثت في مخيلتها صورة ذلك الصديق الغامض، كانت طِباعه تتركها في حيرة لا تنتهي؛ ففي أحيان كثيرة، يجلس بجانبها على مقاعد الدراسة، ويسترسل في شرح أفكار فلسفية غامضة، لكنه فجأة، وبشكل يثير دهشتها، يغير نبرته تماما؛ فيسألها بصدق وبراءة عن طباع البشر، وكيف يشعرون بالحب أو الحزن. في تلك اللحظات، كان يخيّل إليها وكأنه طفل يكتشف معنى المشاعر لأول مرة، أو غريب يحاول جادا فهم قوانين عالمها البسيط.

وعلى الرغم من كل تلك الغرابة، إلا أن صدقه كان يبعث في قلبها طمأنينة؛ فقد كان لطيفا، مبادرا لمساعدتها في أدق التفاصيل. 

كان الوحيد الذي يملك القدرة بكلماته الهادئة على انتشالها من زحام همومها، وكأن صوته يمحو أحزانها بلمسة سحرية. لكن هذا الصديق غاب عنها فجأة؛ انقطع أثره لسنة كاملة دون كلمة وداع واحدة، ليترك خلفه فراغا موحشا، 

قبل أن يعود ويظهر ليلة أمس، ويختفي مجددا بين الأزقة الضيقة فجأة وكأنه تبخّر في الهواء.

بعد أن تلاشت صورته، راحت لينا تتقلب في فراشها والقلق ينهش روحها؛ فكلما فكرت في مواجهة شيماء وكيفية شرح الحقيقة المرة لها، كانت ضربات قلبها تتسارع. 

تقسم لينا في سرها أنها لم تملك أدنى فكرة عن هوية ذلك الخاطب حين تقدم لطلبها، ولم يتصور عقلها يوما أن الصدفة ستقود الرجل الذي سكن قلب صديقتها سرا، ليكون هو نفسه الشخص الذي فرضه عليها والدها بإرادة قاسية.

تغلغل المرار في حلقها وهي تتساءل: 

- كيف لشيماء أن تصدها هكذا؟ وكيف لسنوات الصداقة أن تنهار في لحظة ظنّ وتخوين دون أن تسمعها؟

انحدرت دموعها الساخنة تحرق وجنتيها، فمسحتها بكفٍ مرتعشة، وحاولت الغوص تحت غطائها هاربة من واقعها الذي بات يضيق عليها.

في هذه اللحظة، رن هاتفها فجأة ليقطع سكون الليل. ولما أبصرت اسم شيماء، قفز قلبها فرحا، وظنت أن ساعة الصلح قد حانت.

فتحت الخط بلهفة: 

- شيماء، عزيزتي هل أنتِ بخير؟

ساد صمت ثقيل، لم تسمع فيه سوى أنفاس مضطربة، ثم جاءها صوت الخالة سوزان متهدجا ومخنوقا بالبكاء، ليقطع خيط الفرح: 

-لينا... أرجوكِ، تعالي فورا.. نحن نحتاجكِ من أجل شيماء.

ارتبكت لينا وشحب وجهها، وتلعثمت الكلمات في حلقها وهي تسأل عما أصاب صديقتها، لكن سوزان لم تزد على أن طلبت منها المجيء لترى بنفسها. 

قفزت لينا من فراشها، وخرجت تركض في الشوارع التي لفها البرد، وكان وقع أقدامها على الأرض المبللة هو الصوت الوحيد الذي يكسر صمت الليل.

عند وصولها، استقبلتها الخالة سوزان بوجوم واضح، وأخذتها مباشرة إلى غرفة شيماء، لكنها استوقفتها عند العتبة بتركيز مريب، ووضعت يدها على كتفها قائلة: 

- استعدي نفسيا يا ابنتي، ولا تسمحي للخوف أن يتملككِ مهما رأيتِ بالداخل.

ببطء شديد، دخلت لينا، ورأت شيماء ممدة على السرير، وتبدو مستسلمة لنوم عميق، فسألت بصوت واهن: - شيماء، هل أنتِ بخير؟

وفي تلك اللحظة، انتفض جسد شيماء بعنف، وتخبطت فوق السرير بقوة غير معهودة، وفتحت عينيها بنظرة جامدة، ثم نطقت بصوت خشن وغليظ لا يشبه نبرتها الرقيقة أبدا: 

-ابتعدي من هنا أيتها الحمقاء!

سرت قشعريرة باردة في جسد لينا شلت حركتها، وارتعشت أطرافها وهي تتراجع للخلف بذعر قبل أن تفر خارج الغرفة. 

وفي الغرفة المجاورة، أجلستها سوزان على كرسي خشبي وقدمت لها كوب ماء.

تناولت لينا الكوب بيد مرتجفة، واصطكت حوافه بأسنانها في رنة فضحت اضطرابها، ثم جرعته دفعة واحدة كأنما تطارد نارا في جوفها.

بينما خيم سكون ثقيل، رفعت سوزان رأسها وقالت بنبرة منكسرة: 

- ابنتي شيماء وقعت ضحية لجني عنيد..تلبسها قبل يومين بعد أن داست عليه دون قصد من شدة غضبها ووجعها، ولم أعرف ما هو سبب وجعها.

والشيخ أكد استحالة خروجه إلا بشرط واحد.

أدركت لينا أن شيماء كانت غاضبة من موضوع خطبتها، ترقرقت عينيها بالدموع، ثم سألت باستغراب: 

- شرط! .... ما شرط؟

 تقدمت سوزان وحاولت أن تتصنع الحزن، ثم أمسكت يدي لينا بتوسل: 

- يطلب الشيخ أن يدخل شخص منا إلى عالم الجن ليرجوه أن يترك ابنتي.. يحتاج لشخص خفيف الحركة وصغير السن، وأنتِ الوحيدة التي نثق بها.

سحبت لينا يديها ببطء، وشعرت بذهول يتملك كيانها: - مستحيل، ما هذا الكلام، هل يعقل أن يكون لهم عالم منفصل؟ ماهذا الذي تقولينه يا خالتي؟!

أومأت سوزان مؤكدة، أن لهم عالم لوحدهم، ثم أستئذنت لينا لتحضر من يؤكد كلامها، ما لبثت إلا أن دخلت ومعها رجل يرتدي ثيابا قديمة وبالية، منظره مريب لا يبعث الطمأنينة، وقيل أنه شيخ من أكبر الشيوخ. 

بدأ يتحدث الشيخ للينا بنبرة هادئة وجادة:

- الجني يرفض ترك الفريسة لأنه تعرض للأذى من قبلها على حد قوله.. ولا بد من تقديم اعتذار مباشر له في عالمه ليقبل الرحيل، وإلا فأن الفتاة ستموت.

نظرت إليه لينا باستغراب، عقدت حاجبيها وكأنها تحاول فك شفرات حديثه الغريب، وسألت بنبرة يملؤها الشك:

- ولماذا لا نقدم له هذا الاعتذار هنا؟ في عالمنا.. وبيننا الآن؟

حرك الشيخ رأسه ببطء، ونظر إليها نظرة غامضة من تحت حاجبيه الكثيفين، ثم قال بصوت عميق كأنه آتٍ من بئر عميقة:

- لأن الملك الذي يملك قرار الخروج ليس هنا، لا في هذه الغرفة ولا في جسد الفتاة، والذي متلبس الفتاة تابع لذلك الجني الذي تأذى، أما هو لايزال قابعا في مملكته. الاعتذار يا ابنتي لا بد أن يطرق باب صاحب الشأن في مكانه الأصلي.. هناك فقط يقبل الصفح.

رأى الشيخ التردد يكسو ملامح لينا، فأكد لها بيقينٍ أنها لن تجد ما يرعبها في ذلك البعد الآخر قائلا:

- لا تخافي… لن تكوني وحدك، هناك… من سيرشدك.

رغم أن القصة كانت تبدو في أذني لينا كخرافة، إلا أن الاستغراب والمنطق دفعاها لسؤال الشيخ قائلة:

- لماذا أنا؟ لماذا لا تجلبون شخصا قويا، يمتلك رباطة جأش ولا يعرف الخوف؟ أليس ذلك أضمن لنجاح المهمة وعودة شيماء؟

في تلك اللحظة، ساد ارتباكٌ مفاجئ شحن جو الغرفة بالتوتر.

تلعثمت سوزان وحركت يديها بجزع، بينما انشغل الشيخ بتعديل عمامته مرارا وهو يتبادل نظرات خاطفة مع الأم.

ضيّقت لينا عينيها وهي تراقبهما… ذلك الارتباك لم يكن عاديا، بل كأنهما يخشيان فضح أمر ما يخفيانه.

تسارعت

أنفاسها فجأة، وشعرت بقشعريرة تزحف في جسدها وهي تهمس بصوت خافت:

- ماذا تخفيان عني؟