استيقظ راث من نومٍ خفيف لم يمنحه سوى لحظاتٍ عابرة من الهروب من واقعه الكئيب. بدأت ظلال الليل تتلاشى، كاشفةً عن صباحٍ باهتٍ رماديّ اللون، لا يحمل أيّ أثرٍ للأمل.
أخذ نفساً عميقاً، وما زال يتساءل في أعماقه كيف أنه ما زال على قيد الحياة.
كانت بجانبه قطعة خبز قديمة جافة. نظر إليها بعينين مثقلتين بالإرهاق... وابتسم. ابتسامة خافتة - ليست ابتسامة فرح، بل ابتسامة انتصار صغير في معركة البقاء.
نهض من مكانه المتهالك، وسار بخطوات ثقيلة نحو دلو من الماء القذر في زاوية الغرفة. كان الماء عكرًا، تفوح منه رائحة العفن والموت، لكن ذلك لم يثنه. غسل وجهه به كما لو كان ماءً نقيًا. في مثل هذه الأوقات، لم يكن الماء النظيف سوى ترفٍ حكرٍ على أسياد هذا العالم الجديد.
أكل ما تبقى من الخبز في صمت، ثم غادر كوخه المتداعي متجهاً نحو مكب النفايات التابع للمأوى.
كان ذلك المكان - الذي يمتد كجرح مفتوح في جانب المدينة المنهكة - الملاذ الوحيد لمن نبذهم المجتمع. تجمع هناك المشردون والجياع والناجون من الخراب، ينقبون بين أكوام القمامة عن أي شيء قد يسد جوعهم أو يكون له قيمة في سوق المقايضة.
بينما كان راث يقترب من مكب النفايات، وقعت عيناه على المجموعة التي طاردته بالأمس، محاولةً سرقة الخبز الذي وجده. نظروا إليه بعيون حادة متيقظة، لكنهم لم ينبسوا ببنت شفة. تجاهلوه وكأنه غير موجود، وعادوا إلى نبش القمامة كحيوانات منهكة تبحث عن بقايا عظام.
في هذا الجحيم، لم تكن هناك صداقات، ولا أعداء حقيقيون. كان الجوع هو سيد الموقف. وإذا وجدت شيئًا ذا قيمة، فإما أن تهرب به إلى ملجأ آمن... أو تستعد للهرب.
تجاهلهم راث بدوره وبدأ يبحث في القمامة بحذر وصبر. أزاح الأكياس الممزقة جانباً، وفتح العلب الصدئة، ونقّب بين أصابعه المرتجفة ما تبقى من أمل ضئيل.
مرت الساعات كأنها دهور، ولم يحالفه الحظ اليوم. لم يجد سوى فتات غير صالحة للأكل وأوانٍ فارغة. لكن راث لم يستسلم. لقد تعلم، منذ أن كان طفلاً تائهاً في هذا العالم المنهار، أن من لا يبحث لا يأكل... ومن لا يأكل لا يعيش.
بحلول المساء، كان الإرهاق قد أثّر على صحته، ونزفت يداه من الأشواك والزجاج المكسور. غادر مكب النفايات خالي الوفاض، يمشي بخطوات ثقيلة، ماراً بوجوه أخرى منهكة لم تجد شيئاً أيضاً.
عندما دخل كوخه، جلس في صمت، وعيناه شاردتان على السقف... يفكر في الجوع... في الموت الذي يقترب أكثر فأكثر...
أصبح العثور على الطعام شبه مستحيل. لم يعد سكان المأوى يتخلصون من النفايات بالقدر الكافي، ومع استمرار هذا النقص، لن يطول الأمر قبل أن ينهار هو الآخر مثل الآخرين - جائعًا ومنهزمًا.
انغمس راث في النوم رغماً عنه، غارقاً في حزنه، محاصراً داخل الكوابيس...
لكن فجأة، دوى صوتٌ من الخارج:
"تجمعوا هنا أيها الحشرات! الآن!"
انفتحت عينا راث على اتساعهما
