شعرت إيزميرا بوخزة حادة من تأنيب الضمير تنهش صدرها، مالت بجسدها إلى الأمام واتخذت قرارها أخيرا، وهمت بالتحرك لتنهي هذا العبث المستمر، ولتنقد الإنسية أيضا، ولكن الأوان قد فات فعلا.
لقد نفذ سديم الطقس، مرر السكين ببطء فوق يد تلك الإنسية، وما إن لامست قطرات دمها القانية ماء البركة الساكن، حتى بدأت قوة غاشمة تسحب دماءها وقوتها بعنف شديد، وكأنها مغناطيس، مما أدى بعد هنهية من سقوط لينا غائبة عن الوعي.
تحول لون البركة في لحظة خاطفة إلى الأحمر القاني، وانعكس ذلك اللون القاتم على أوراق الشجر المتلألئة لتكتسي هي الأخرى بحمرة دامية.
حينها أخرج سديم تنهيدة طويلة ومثقلة بالهموم، ثم أدار وجهه نحو جارج وقال بنبرة صارمة:
- جارج، اعتني بلينا.. وفور خروجي من البركة سنأخذها بسرعة مباشرة إلى الساحر "جيفري" ليعالجها، هذا رجائي الأخير منك يا جارج.
في تلك الأثناء، أحمر وجه سارلا من شدة الغضب، وشحب لون بشرتها وهي تراقب هذا الضعف الذي حل بسديم، بينما ارتسمت على ثغر جارج ابتسامة هادئة؛ فقد كان يرى في تلك اللحظة ولادة روح جديدة في جسد صديقه القديم، فهز رأسه علامة على الموافقة وقطع وعدا صادقا بحماية لينا.
ما إن وطأت قدما سديم قاع البركة المضطرب حتى بدأت المياه في الغليان العنيف، وأخذت الفقاقيع الضخمة تنفجر فوق السطح محدثة صوتا مرعبا، ثم غاص سديم بكامل جسده في تلك الأعماق الحمراء، وحينها تصاعد دخان كثيف وأبيض من قلب الماء.
وفي جوف البركة المظلم، كان سديم يطفو بوضعية الجنين؛ يضم يديه ورجليه إلى صدره في استسلام مطلق لعملية إعادة التكوين الشاقة، بدأ جلده القديم يتآكل ببطء ويستحيل إلى لون أحمر متوهج، بينما تساقط شعره الأسود ليحل محله شعر أبيض كثيف وناصع.
أسنانه صارت طويلة، وبرزت أذناه نحو الأعلى قليلا، وأخذ جسده يتضخم ببطء حتى غدا يشبه أخاه جلجان في ملامحه، لكن بفارق شاسع في الضخامة والقوة الجبارة التي بدأت تشع من عضلاته المفتولة.
كان سديم قد أعد عدته جيدا لهذا التحول؛ فقد وضع خلف أحد الأشجار مسبقا، ملابسه الخاصة به إلى داخل البركة، وهو يدرك تماما أن ملابس جسده البشري الهزيل ستتمزق أمام جسده الحالي الضخم.
قضى نصف ساعة كاملة في ذلك التحول، لا يسمع فيها سوى صرير العظام وهي تنمو وتتطاول، وصوت الأنسجة وهي تتشكل من جديد تحت ضغط السحر العنيف
ارتدى ملابسه الثقيلة، واستجمع قوته ليدفع نفسه نحو السطح، وما إن خرج سديم من البركة، ونفض الماء عن وجهه وشعره، حتى تجمد في مكانه.. لقد وجد أمامه ما جعل عقله يطير من الصدمة.
استجمع سديم بقايا قوته الكامنة في عضلاته، وبدأ يدفع جسده الجبار نحو الأعلى مخترقا طبقات الماء الحمراء الثقيلة.
فقد ظل بصره معلقا بذلك المشهد المباغت الذي لم يحسب له أي حساب.
كان المشهد مؤلم حد الوجع، والحطام النفسي أشد وطأة من وهن جسده الذي أخذ ينتفض بعنف، حين رأى جارج وسارلا هامدين، بينما خلت الزوايا تماما من أي أثر للينا.
انقبض قلبه بشدة، واندفع بجنون نحو سارلا التي بدأت تطلق أنينا واهنا يشي بعودة الوعي إليها. جثا على ركبتيه، وأمسك وجهها بين كفيه الباردتين، محاولا استحثاثها على النهوض، بينما خرج صوته متهدجا مخنوقا وهو يسأل:
سارلا.. أرجوك استيقظي! أخبريني ما الذي جرى؟ وأين لينا؟
فتحت سارلا جفنيها ببطء، وحاولت استجماع بقايا طاقتها المتبددة وسط أجواء المكان التي ما زالت تحمل بقايا رائحة غريبة من أثر الدخان، ونظرت إلى سديم وأجابت بصوت خافت متقطع:
- لا أعلم يا سديم... ظهر شخص مقنع فجأة، ملامحه توحي بأنه بشري، هددنا بكلمات سريعة ثم ألقى شيئا انبعث منه دخان كثيف... شعرت بدوار شديد ثم سقطنا جميعا... لا بد أنه هو من اختطفها.
تضاعف خفقان قلب سديم حتى صار يسمع دقاته في أذنيه، لم تحتمل مخيلته فكرة اختفاء لينا أو وقوعها في يد ذلك المجهول، تلبسه اضطراب شديد جعل أطرافه ترتجف، وأخذ يكرر بذهول وصراخ مكتوم:
لينا.. أين هي؟ ومن هذا الذي قد يتجرأ على أخذها؟
كان يعاود إلقاء الأسئلة بذات النبرة المذعورة، لكن سارلا لزمت الصمت، اضطربت نظراتها وتلعثم لسانها؛ فمن جهة آلمها أن ترى خوفه القاتل على لينا يتجاوز خوفه على أي شخص آخر، ومن جهة أخرى، كان هناك شعور خفي بالرضا يتسلل إلى أعماقها لغياب لينا، مما جعلها تحجم عن قول أي شيء قد يساعد في اقتفاء أثرها.
انزاحت غيمة الذهول عن عقل سارلا، لتعود بها الذاكرة إلى اللحظات التي سبقت السقوط، حين كان السكون يلف قاع الغابة قبل أن يقتحمه ذلك المجهول المقنع، كان هيئته تشي بأنه من البشر، وقف بثبات مريب وهو يطالبهم بنبرة جافة أن يسلموه الإنسية.
انتفض جارج حينها، وخرج صوته خشنا حادا وهو يردعه:
- في أحلامك أيها الخسيس! من تكون أنت؟ وماذا تريد بالإنسية؟
اتسعت عينا لينا بذهول وهي تحاول استيعاب وجود من يطاردها في هذا المكان الموحش، وظنت للوهلة الأولى أن للأمر علاقة بجنود "شمهروش"، فالتفتت نحو جارج قائلة بنبرة يملؤها الشك:
- لعله من أتباع شمهروش، ويظننا أعداء له.
تعالت ضحكة المجهول الساخرة، وهو يقف بعيدا في بقعة يغمرها الظلام، ثم قال بتهكم لاذع:
- حقا، كم أنتم أغبياء يا معشر البشر، سديم لا يكترث أبدا لما تسعين إليه، أما شمهروش فقد مات وشبع موتا.. لق
د دخل سديم إلى البركة ليستعيد جسده وحسب أيتها الحمقاء.
