Cherreads

Chapter 10 - الفصل العاشر

شحب لون لينا تماما، وسرت في أطرافها رعشة باردة وهي تتبادل النظرات مع جارج وسارلا الذي امتقع وجوهما، واكتست ملامحهما بغضب عارم ممزوج بارتباك لم يغب عن عينيها، فحاول جارج استجماع شتات نفسه، فصرخ بنبرة عالية شابها تلعثم واضح:

- أيها الكاذب! بل دخل ليجلب الملك.. ولن.. ولن نكذب على أحد!

أجابه المقنع بصوت هادئ ومستفز:

- يعجبني إصرارك على الكذب يا جارج، رغم أنك تمقته في أعماقك... تفعل كل هذا فقط للحفاظ على وهم تسمونه الصداقة... سلمني الفتاة وأنهِ هذا العبث.

تزلزلت ثقة جارج، وحدق في لينا التي كانت تقف بجانبه بمشاعر مختلطة؛ تجاذبته الرغبة في التحول وحماية الموقف، وبين الحفاظ على هيئته أمامها، وبينما كان يحاول استشفاف الخطوة التالية من عيني سارلا، باغتهم المجهول بإلقاء كرة صغيرة نحو الأرض.

انفجرت الكرة مخلفة دخانا كثيفا حجب الرؤية تماما، ثم سقط جارج مغشيا عليه، وتبعته لينا مباشرة، بينما ظلت سارلا تتخبط في رعبها وسط الضباب الأبيض.

ولما بدأ الدخان يتبدد تدريجيا، رأت جارج ممددا بلا حراك، بينما كان المجهول يضع لينا على كتفه، 

تأملت سارلا وجه الغامض حين أزاح قناعه للحظة خاطفة؛ اتسعت عيناها بذهول صاعق وكادت تندفع خلفه، وتستعيد لينا، لكنها تسمرت في مكانها فجأة.

تذكرت نظرات سديم، ذلك الاضطراب الصادق في مشاعره الذي يفضح تقديرا عميقا، وربما حبا دفينا يكنه لتلك الإنسية، في تلك اللحظة، خبت جذوة الشفقة في صدرها، واحتلت مكانها رغبة خبيثة في ترك لينا تواجه مصيرها المجهول بعيدا عن طريقها، فأرخت سارلا جسدها بخداع متقن، مدعية غياب الوعي لتسقط على الأرض، وكانت آخر صورة انطبعت في مخيلتها قبل أن تغمض جفنيها، قطرات دم تنزف ببطء من يد لينا لتترك أثرا على الأرض، قبل أن يختفي ذلك الغامض الذي بدا وكأنه يعرفهم جيدا.

بينما كانت سارلا غارقة في تمثيلها، انشقت مياه البركة عن خروج سديم؛ برز كملكٍ مُبجل، مهيب الطول، صلب البنيان. كان جسده يحاكي التفاصيل البشرية، لولا بشرته التي مالت لحمرةٍ باهتة، وعيناه الغارقتان في سوادٍ حالكٍ لا بياض فيه. استطالت أذناه بحدةٍ تعكسُ عِرقه كواحدٍ من "ملوك النار"؛ أولئك الذين استوطنوا الأجواف البركانية، وعُرفوا بأجسادهم التي تزدري الحرارة، وبطشهم الذي لا يلين أمام عدو.

عُرفوا أيضا بـ "ملوك الظلال" لولعهم بحروب الليل، حيث تخترق عيونهم السحيقة أستار العتمة بحدةٍ استثنائية. غير أن ظلال هذه الغابة السحرية كانت استثناء مُربكا؛ إذ تكسر شوكة بصرهم وتُضعف سطوتهم، مما جعلها فخا مثاليا يستدرجهم إليه الخصوم.

ترك سديم "سارلا" بعد أن استردت وعيها، واتجه بخطىً واثقة نحو "جارج" القابع فوق الأديم، والذي لم يحرك ساكنا بعد.

حاول إيقاظه بكل السبل، هز كتفيه وناداه بصوت هادر، لكن جارج ظل غارقا في غيبوبته، استشاط سديم غضبا، فرفع جارج ووضعه على كتفه، ثم التفت بنظرة ثاقبة نحو سارلا، وقال متوعدا بغضب:

يجب أن نخرج من هنا فورا، نضع جارج في القصر، ثم نعود ونبحث عن لينا.. سأجد ذلك الوغد الذي تجرأ على أخذها، وسأجعله يتجرع الندم على كل لحظة فكر فيها بالمساس بها.

استأنف سديم طريقه للخروج من قاع الغابة، كانت خطواته البطيئة تؤلمه، وكأنه يمشي على جمر.

يحمل صديقه فوق كتفه، بينما تتبعه سارلا بخطى مضطربة ونفس يعتصرها القلق، كانت الحقيقة تنهش روحها؛ تخشى جنون سديم إن علم بتسترها منذ البداية، وتؤرقها فكرة أشد مرارة: 

- ماذا لو كشف أمري لاحقا؟ سيكرهني

رجف قلبها لهول الظن، لكنها سرعان ما طمأنت هواجسها بهمس داخلي خبيث: 

- لن يعلم أبدا، فأنا الوحيدة التي رأت وجهه.

لم تدرك سارلا أن هناك عينا كانت تراقبهم؛ الساحرة إيزميرا، التي تمتمت بحقد وهي تشاهدهم:

سأريك أيتها الجنية الخبيثة... سأرد الصاع صاعين لك، وستندمان أشد الندم على قتل جلال.

****

للمرة الأولى في حياته، كانت عينا سديم تجودان بالدمع على شخص من بعد موت أخته الكبرى؛ لم يستوعب بعد كيف يمكن لملكٍ مثله أن ينزف حزنا على فئةٍ طالما احتقرها.

لم يدرك عُمق ما يكنّه لـ "لينا" إلا وهي تقف في قبضة الخطر، بعدما أمضى زمنا طويلا يوهم نفسه بأن ما يربطهما ليس سوى احترامٍ متبادل لصداقةٍ عابرة.

عضّه الندم بمرارة لأنه كان السبب في سوقها إلى هذا المصير المظلم، ورغم أن الضرورة القاسية ألزمته باستعادة هيئته الأصلية، إلا أن قلبه لم يطاوعه على سفك دمها؛ فاكتفى بقطراتٍ يسيرة منها كانت كافية لردّ اعتباره الجسدي، وإن كلفه ذلك التضحية ببعض مزاياه القديمة، كسرعة الاختفاء الخاطفة وحدّة البصر التي تخترق ستور الليل.

شعر بقلبه يضطرب في صدره كرقصة ديكٍ ذبيح، حين لاحت في مخيلته صورتها وهي تضحك في أروقة الجامعة، تداعب غموضه وتسأله بلطفٍ عما إذا كان حقا رجلاً شريرا، ردا على سؤاله الذي باغت عقلها حينها:

- هل تقبلين الزواج من وحش؟.

أدرك الآن أن حبها تغلغل في مسام روحه منذ تلك اللحظة، لكن كبرياءه كان يدفعه دائما للهرب، مؤمنا بأن "ملوك النار" أسمى من الوقوع في حب كائنات واهنة كالبشر.

اختلجت شفتاه، وهمس باسمها بنبرة متهدجة:

لينا... سامحيني.

بمجرد خروجه من حدود الغابة، التفت إلى سارلا وأمرها بصوت حازم، وذلك لأنه مستحيل الطيران بها:

- سارلا، عودي لهيئتك، واحملينا بأقصى سرعة إلى القصر.

انصاعت سارلا لطلبه، فتخلت عن مظهرها البشري لتبرز جنية مهيبة، رقيقة القوام بملامح حادة، ينسدل شعرها الأسود الفاحم خلفها، وتتوهج عيناها بصفرة لامعة تشبه عيني الأفعى.

أحكم سديم قبضته على يد سارلا، وفي لمحة بصر، اختفوا

جميعا من أمام الغابة، منطلقين بسرعة خارقة إلى مملكة النار.

More Chapters