Cherreads

Chapter 19 - الفصل التاسع عشر:تحول أربعة

الفصل التاسع عشر : تحول أربعة

ثلاثة أيام مرت منذ معركة المرآة. ثلاثة أيام من الهدوء الحذر، من الانتظار القاتل، من محاولة لملمة الجراح وفهم ما حدث.

الجسم يتعافى، لكن الروح... الروح تحتاج وقتاً أطول.

جيمي قضى معظم هذا الوقت في غرفته، ينظر إلى المرآة. ليس مرآة عادية، بل مرآة صغيرة مكسورة وجدها بين الأنقاض. كان يحدق فيها لساعات، وكأنه ينتظر شيئاً. أو كأنه يخاف من رؤية شيء.

في اليوم الرابع، دق زيرو الباب. لم يجب جيمي. فتح الباب ودخل.

وجد جيمي جالساً على الأرض، المرآة في يده، وعيناه حمراوان من البكاء.

قال زيرو بهدوء: "أنت لست بخير."

"أنا بخير. فقط... أتذكر."

"ماذا تتذكر؟"

نظر إليه جيمي. للحظة، رأى فيه كل النسخ التي قتلها. رأى الرقم صفر الأول، والثاني، والثالث... حتى الرقم 374. ثم رأى زيرو. الشاب الذي لا يعرف بعد أنه نفس من قتل 999 مرة.

قال: "أتذكر كل شيء. كل موت. كل عودة. كل وجه. كل صرخة. كل دم. أنا لا أنسى أي شيء. هذه لعنتي."

جلس زيرو بجانبه. "كيف تعيش مع هذا؟"

"لا أعيش. أنا فقط... أستمر. لأن التوقف يعني الجنون. والجنون يعني الموت. والموت... ليس خياراً. ليس بعد."

صمتا لوقت طويل. ثم قال زيرو: "الرقم أربعة. ماذا تعرف عنه؟ قبل أن يتحول؟"

تنهد جيمي. "كان الأصغر بيننا. الرقم أربعة. كان طيباً. ضعيفاً. كان يخاف من الظلام. كان ينام وفي يده سكين. كان يثق بالجميع. حتى بالأول."

"ماذا حدث له؟"

"كبر. تغير. كلنا نتغير. لكنه تغير أكثر من اللازم. رأى أشياء. عاش أشياء. مات مرتين وعاد. بعد المرة الثانية... أصبح مختلفاً. أصبح بارداً. قاسياً. وأصبح يسمع الأصوات."

"الأصوات؟"

"نعم. الأصوات. التي تهمس في الظلام. التي تعدك بالقوة. التي تخبرك أنك الوحيد القادر على إنقاذ العالم... بتدميره."

نظر زيرو إلى المرآة المكسورة في يد جيمي. في انعكاسها، رأى للحظة وجهه. لكن العيون كانت مختلفة. عين حمراء وعين زرقاء. عينا الرقم صفر. عيناه الحقيقيتان.

أغمض عينيه. عندما فتحها، اختفى الوجه. لكن السؤال بقي: كم من الوقت قبل أن يعرف الجميع الحقيقة؟ كم من الوقت قبل أن يعرف هو نفسه حقيقته؟

---

في نفس اللحظة، في عالم الظلال، كان الرقم أربعة يقف أمام عرش من عظام. ليس عرشاً حقيقياً، بل تجسيداً لسلطانه الجديد. حوله، كانت الظلال تتحرك، تهمس، تتراقص.

كان يتغير. جسده كان يتحول تدريجياً. الجلد أصبح رمادياً. العيون أصبحت سوداء بالكامل، بدون بياض. وفي جبهته، كان الورم الأرجواني ينبض كقلب ثانٍ.

صوت من الظلام: "أنت تقترب. قريباً ستكون مثله."

التفت الرقم أربعة نحو الصوت. رأى شبحاً. شبح الأول. ليس جسده، بل بصمته. بقاياه. جزءاً منه لا يزال حياً في هذا العالم.

قال الرقم أربعة: "لن أكون مثله. سأكون أقوى."

ضحك الشبح. "هذا ما قاله كل من سبقك. وهذا ما قاله هو عن نفسه. وهذا ما قاله من قبله. التكرار. دائماً التكرار."

"أنا مختلف."

"كلهم قالوا ذلك. وكلهم كانوا مخطئين."

اقترب الرقم أربعة من الشبح. كان غاضباً. "أنا لست نسخة. أنا الأصل. أنا من سيحطم الدورة."

"أنت لا تفهم. لا يوجد أصل. لا يوجد نسخة. كلنا نحن. وكلنا لسنا نحن. الوجود كله مجرد انعكاس. والانعكاسات... تتكرر إلى الأبد."

قبل أن يرد الرقم أربعة، اختفى الشبح. لكن كلماته بقيت. تتردد في الظلال. تتكرر كالصدى.

"تتكرر إلى الأبد... إلى الأبد... إلى الأبد..."

صرخ الرقم أربعة: "اصمت!" وضرب الأرض بيده. تصدع عالم الظلال. انفتحت شقوق في كل اتجاه. ومن تلك الشقوق، بدأت تخرج مخلوقات. مخلوقات من الظل. مخلوقات من النسيان. مخلوقات من الرعب.

نظر إليها الرقم أربعة. ابتسم. "أخيراً... جيشي اكتمل."

---

في المبنى المهجور، كان الرقم صفر يتحدث مع إدوارد. الحجر البنفسجي كان لا يزال في يد إدوارد، يتوهج بين الحين والآخر.

قال الرقم صفر: "يجب أن تتخلص من هذا الحجر."

"لا أستطيع."

"لماذا؟"

نظر إدوارد إليه. كانت عيناه غائرتين، متعبتين. "لأنه... جزء مني الآن. منذ أن لمسته، أصبح جزءاً من روحي. إذا تخلصت منه... أموت."

اقترب منه الرقم صفر. "إدوارد، هذا الحجر ملعون. إنه وعاء الأول. إنه يحاول السيطرة عليك."

"أعرف. لكن ماذا أفعل؟ أختار الموت؟"

"أحياناً... الموت أفضل من فقدان الذات."

ضحك إدوارد. ضحكة مرة، متعبة. "سهل عليك القول. أنت لا تموت. أنت تعود. أنت خالد. أما أنا... أنا متراجع بالزمن. أعود للحياة. لكني أموت كل مرة. أموت آلاف المرات. وكل موت يؤلم. كل موت يترك ندبة. وكل ندبة تجعلني أتمسك بالحياة أكثر."

نظر إليه الرقم صفر بحزن. كان يفهم. كان يعرف هذا الشعور. لأنه عاشه. 374 مرة. وكل مرة كان يموت، كان جزء منه يتمنى لو لم يعد.

قال: "أنا أفهمك. أكثر مما تتصور."

"حقاً؟ هل فهمت كيف يكون أن ترى من تحب يموت وأنت لا تستطيع إنقاذه؟ هل فهمت كيف يكون أن تفشل ألف مرة وتستمر في المحاولة؟"

صمت الرقم صفر. ثم قال: "نعم. فهمت. لأني عشت هذا. 374 مرة. كل مرة كنت أبدأ من جديد. كل مرة كنت أحاول إنقاذ من أحب. وكل مرة كنت أفشل."

نظر إليه إدوارد بصدمة. "أنت... أنت أيضاً؟"

"أنا أيضاً. لكني تعلمت شيئاً. تعلمت أن التكرار ليس حلاً. تعلمت أن التمسك بالحياة قد يكون أقسى من الموت. تعلمت أن الحقيقي ليس أن تعيش طويلاً، بل أن تعيش مرة واحدة... بشكل صحيح."

سقط الحجر من يد إدوارد للحظة. اهتز. كاد أن ينكسر. ثم عاد إلى يده، أقوى من قبل.

قال بصوت خافت: "أنا لا أستطيع. آسف. أنا... ضعيف."

وضعه الرقم صفر يده على كتفه. "لا. أنت لست ضعيفاً. أنت فقط... لم تجد بعد سبباً يجعلك تتركه."

"وأنت؟ وجدت السبب؟"

نظر الرقم صفر بعيداً. نحو الغرفة حيث كانت إليا نائمة. نحو الباب الذي دخل منه زيرو قبل قليل. نحو نفسه الأخرى التي لا تعرف بعد حقيقتها.

"نعم. وجدت."

---

في الليل، بينما كان الجميع نائمين، استيقظت إليا على صوت خطى خفيفة على السطح. صعدت بحذر. رأت زيرو واقفاً وحده، ينظر إلى السماء. إلى المرآة المعلقة هناك، تلمع بضوء بارد.

كان يبكي.

اقتربت منه بهدوء. "زيرو؟ ما بك؟"

لم يجب. استمر في النظر إلى السماء. دموعه تتلألأ في ضوء القمر.

وقفت بجانبه. "لماذا تبكي؟"

بعد صمت طويل، قال بصوت غريب. صوت ليس صوت المعتاد. أعمق. أقدم. أكثر حزناً: "لأني أعرف ما سيحدث. أعرف النهاية. أعرف الثمن."

ارتجفت إليا. هذا ليس صوت زيرو. هذا صوت... الرقم صفر.

"زيرو؟"

التفت إليها. للحظة، رأت في عينيه شيئاً غريباً. للحظة، لم تكونا عينيه المعتادتين. كانت إحداهما تومض باحمرار خافت. والأخرى... تومض بزرقة خافتة.

قال بصوت يتردد بين صوتين: "أنا أتذكر."

"تتذكر ماذا؟"

"كل شيء. من أنا. من كنت. كل النسخ. كل الموتات. كل... أنا الرقم صفر."

تراجعت إليا بخطوة. "لكن... الرقم صفر قال... أنتما شخصان مختلفان..."

"نحن شخص واحد. أنا هو. هو أنا. بعد أن مسح ذاكرتي، انفصل وعيي. جزء بقي هناك. في الجسد القديم. وجء جاء إلى هنا. إلى هذا الجسد الجديد. لكن الجسد واحد. الروح واحدة. نحن... نحن شخص واحد. أنا فقط... لم أكن أتذكر. حتى الآن."

صمتت إليا. كانت تحاول استيعاب. ثم اقتربت منه. أخذت يده. كانت باردة. ترتجف.

"إذا كنت أنت هو... فأين هو الآن؟"

نظر زيرو إلى السماء. إلى المرآة المعلقة. "هو هناك. في الداخل. يقاتل ليحافظ علي. لأني إذا مت... يموت هو أيضاً."

"لا أفهم."

"نحن جسد واحد. روح واحدة. عندما مسح ذاكرتي، خلق فجوة بين وعيه ووعيي. أنا وعيه الجديد. وهو وعيه القديم. لكن الجسد واحد. إذا مات أحدنا... يموت الآخر. لهذا هو يحميني. لهذا أنا هنا. لهذا..."

سكت. دموعه زادت.

بكت إليا. "إذن أنت... ستموت؟"

"لا أدري. لكني أعرف شيئاً واحداً: لن أتركه يضحي وحده. لن أترك نفسي الأخرى تموت وحدها."

احتضنته إليا. بقيا هكذا، يحتضنان بعضهما، يبكيان معاً. والريح تهمس من حولهما. والمرآة تلمع في السماء. والظلال تتحرك في البعيد.

---

فجأة، اهتز المبنى. اهتزاز عنيف. صرخات من الأسفل. صوت دوي هائل.

نظر زيرو إلى الأسفل. رأى الجيش الظلي يتقدم. رأى الرقم أربعة على رأسه، متحولاً بالكامل، جسده ظل كثيف، وعيناه تشعان بالظلام، وفي جبهته الورم الأرجواني ينبض بقوة هائلة.

قال الرقم أربعة بصوت قادم من كل مكان: "لقد حان الوقت. وقت الحساب. وقت النهاية."

نزل زيرو وإليا مسرعين. الجميع كان في حالة استنفار. جيمي يوجه المقاتلين. إدوارد يمسك حجره البنفسجي المتوهج. فارس وليث يقفان في الخط الأمامي.

وفي وسط المعمعة، رأى زيرو الرقم صفر. كان يقاتل وحده، يصد هجمات الظلال، يحمي المدخل الرئيسي.

ركض زيرو نحوه. وقفا وجهاً لوجه. عينا الرقم صفر الزرقاء والحمراء تحدقان في عيني زيرو السوداء والحمراء. للحظة، كان المشهد غريباً: نفس الوجه، نفس الجسد، نفس الروح... منقسمة إلى اثنين.

قال الرقم صفر: "حان الوقت."

قال زيرو: "أعرف. لنقاتل معاً."

"إذا قاتلنا معاً... سنموت معاً."

"إذا مت وحدك... سأموت بعدك. الفرق؟"

ابتسم الرقم صفر. لأول مرة، ابتسامة حقيقية. دافئة. "لا فرق. حسناً. لننهها معاً."

نظرا إلى بعضهما. ثم حدث الشيء العظيم.

للحظة، ومض ضوء هائل. ضوء أبيض، أزرق، أحمر، أسود. ضوء جمع كل الألوان. ضوء جمع كل النسخ. ضوء جمع كل الأرواح.

وعندما خفت الضوء، لم يعد هناك اثنان.

كان هناك واحد.

الرقم صفر وقف وحده. لكنه الآن مختلف. أكمل. أقوى. عيناه الآن تحملان كل الألوان: الأحمر والأزرق والأسود معاً. وفي نظراته، كان هناك عمق جديد. عمق جمع كل الذكريات. كل الموتات. كل العودات. كل الحب. كل الألم.

نظر إلى يديه. ثم نظر إلى إليا. ابتسم. "أنا هنا. كاملاً. لأول مرة."

بكت إليا. لكنها هذه المرة بكت فرحاً.

التفت الرقم صفر إلى الرقم أربعة. إلى الجيش الظلي. إلى المرآة في السماء. إلى كل التهديدات.

قال بصوت هادئ، ثابت، قوي: "الآن... لننهِ ما بدأناه."

بدأت المعركة.

---

نهاية الفصل التاسع عشر

More Chapters