Cherreads

Chapter 2 - الفصل الثاني

بحثت سوزان في ذهنها عن مخرج لهذا السؤال المباغت، لكن قبل أن تسعفها الكلمات، ارتفع صوت الشيخ ليقطع الصمت قائلاً:

- نحتاج إلى روحٍ مخلصة، ونقية، يجمعها بالفتاة رباطٌ لا ينقطع.

ابتسمت سوزان، وهزت رأسها موافقة على حديث الشيخ الذي بدا منطقيا ومقنعا في نظرها، ثم أردفت تؤكد قوله:

- نعم، وهذه الصفات لا نجدها مجتمعة إلا فيكِ.

مال الشيخ بجسده نحوها، وانخفض صوته إلى همسٍ:

- حتى أن أردنا شخصا آخر، لا وقت للبحث عن بدائل، الحالة تزداد سوءا مع كل دقة ساعة.. وشيماء قد تفارق الحياة قبل الفجر إن لم يتم الاعتذار.

تراجعت لينا بخطوات واهنة، كانت نظراتها الحائرة تتنقل بين الباب الذي يواري صديقتها وبين الوجوه الواقفة أمامها، تبحث عن حقيقة وسط أكوام من الشكوك التي بدأت تنهش روحها. 

بدا التعب جليا في ذبول عينيها وارتجاف كفيها وهي تحاول لملمة شتات نفسها، وقبل أن تبتعد، خرجت كلماتها باهتة، كأنها تلقي بآخر ما تملك من طاقة قبل أن يستسلم قلبها لثقل الحيرة:

- سأعود الليلة.

غادرت لينا المنزل بقلبٍ ينهشه التردد؛ كانت مدفوعةً برغبةٍ عميقة في تكفير ذنبها تجاه شيماء ومحو أثر الخلاف القديم حول "الخطيب"، حتى لو كان الثمن ضياع حياتها في ذلك العالم المجهول إن كان ما يقوله الشيخ حقيقة، ورغم أن صوتا داخلها كان يحذرها من أن الأمر فخ لإبعادها عن خطيبها، إلا أنها لم تشعر بالخوف، بل بمرارةٍ غطت على كل شيء:

- إن كان الغرضُ سحري لأفارقه، فليكن.. فلا حاجة لي برجلٍ تسبّب في خسارة أعزّ صديقاتي.

عادت لينا إلى بيتها، وبعد أن أغلقت باب غرفتها، جلست على سريرها تسمع دقات قلبها التي بدت كطبول تقرع في أذنيها، وسألت نفسها بهمس:

- هل فقدتِ عقلكِ يا لينا تصدقينهم؟ جني عنيد! نقل بين الأبعاد!

- لو كان الأمر ممكنا، لما احتاجوا فتاة ضعيفة مثلي.

وأظن أن الأمر كله مدبر، حتى الشيخ منظره لا يوحي بأنه شيخ.

ولكن صورة شيماء وهي تتخبط بعنف كانت تنبض في ذاكرتها ولا تتركها أبدا، لذلك شعرت بوخزة حادة في صدرها كأنها نصل بارد: 

- ماذا لو كانت تحتضر فعلا؟ ماذا لو كانت هذه فرصتي الأخيرة لأثبت أنني صديقة وفية، ولم أخنها يوما؟

حسمت لينا أمرها بكلمة واحدة وخرجت:

- سأذهب.

ودعت لينا والديها بنظرة طويلة، مسترقةً لحظة وداع ربما تكون الأخيرة، أخبرتهما أن شيماء مريضة وتحتاج لرفقتها، ومضت بخطى ثقيلة نحو مصيرها المجهول.

عندما وصلت لينا، كان المنزل قد استحال إلى مكانٍ غريب، الإضاءة خافتة مائلة للصفرة، والهواء غليظ يصعب استنشاقه.

استقبلتها سوزان بامتنانٍ يمتزج بالقلق، بينما كان الشيخ يجهز مباخر وأوراقا طلاسمها غير مفهومة.

بدأ الشيخ يتمتم بكلمات غير مفهومة وهو يحرك المبخرة، فانتشر دخان كثيف ذو رائحة نفاذة غطى الأرجاء، وطلب من لينا الجلوس في المنتصف، وقال بعينين حادتين:

- أغمضي عينيكِ الآن، ولا تفتحيهما مهما حدث، الأتباع سيتولون نقلكِ.. تذكري، هم يشبهوننا، فلا تذعري.

أغمضت لينا عينيها، وسرت برودة غريبة في أطرافها رغم حرارة الدخان.

وفجأة، أحست بأن الأرض تتلاشى من تحتها، وجسدها صار خفيفا كأن الجاذبية قد تخلت عنه. 

وفي تلك اللحظة التي اختلط فيها الواقع بالوهم، سمعت صوتا مألوفا جدا يهمس في أذنها بنبرة دافئة بعثت في روحها قشعريرة هزت كيانها:

- لينا!... هذا مستحيل.

قاومت لينا لكي لا تفتح عينيها كما طلب الشيخ، ولكنها فشلت، وفتحت عينيها رغما عنها من الصدمة، لأنها سمعت ذلك الصوت الذي تعرفه جيدا. 

لم تعد في غرفة شيماء، كانت تقف في زقاقٍ طويلا ضيقا لا نهاية له، يغمره ضوء أزرق بارد كأن المكان غارق تحت محيطٍ عميق.

وأمامها تماما، كان يقف صديقها الغريب الذي اختفى منذ سنة. 

كان يواجهها بتلك الابتسامة الهادئة والغامضة التي اعتادتها في ردهات الجامعة.

دارت الدنيا بلينا، وتلاشت ملامح صديقها تدريجيا أمام عينيها العسليتين، وخانتها قواها لتسقط في الظلام، غائبة عن الوعي قبل أن تنطق بحرف واحد.

****

كانت لينا لا تزال غارقة في غيبوبتها فوق الرمال الباردة، وشعرها المنثور يختلط بحبيبات الذهب المشتعلة تحت أشعة الشمس الغاربة.

وقف سديم يحدق في وجهها الشاحب، وصدره يغلي بصراعٍ لم يعهده من قبل.

ترددت في أذني سديم أصداء تلك الليلة المشؤومة، حين التقى بشيماء وهي تشتعل حقدا: 

- لقد خدعتني.. ولن أغفر لها ما حييت.

تذكر كيف عرض عليها "المساعدة" لتنتقم، وسألها ببرود: 

- هل ستصدق وتضحي من أجلكِ؟

أجابته شيماء بوميض غدرٍ لم يمحُه الزمن

- نعم، إنها طيبة وستصدق.. خاصة لو ضغطنا عليها.

قبض سديم كفه بقوة حتى ابيضت مفاصله، وهمس لنفسه بمرارة:

- لم أتخيل ولو للحظة.. أن الصديقة 'المخادعة' التي كانت شيماء تصفها بكل ذلك الكره، هي أنتِ يا لينا.

 نظر إلى الأفق الذي بدأ يكتسي بلون الدم، والشك ينهش روحه:

- هل خدعتِني أنا أيضا يا لينا؟ هل كان ذلك الوجه الرقيق مجرد قناع، كما قالت شيماء؟

ساد صمتٌ ثقيل، والشرط القاسي يطوق عنقه كالقيد: 

- لا بد من دخولٍ طوعي لكسر اللعنة..ها هي قد دخلت طوعا، ولكن....

تراجع خطوة للخلف وهو يشعر بثقل المسؤولية:

- إن كانت شيماء صادقة، وكان قلبكِ ملوثا بالخداع، هل يمكنني تقديمها قربانا.

فرك رأسه بقوة، ثم حدث نفسه قائلا:

ما الذي دهاني، حتى لو كانت لينا مخادعة هل لي الحق في هدر دمها، ونسيان الصداقة بيننا.

لا..لا....لينا التي أعرفها لايمكن أن تكون مخادعة.

بينما كان سديم يغرق في بحر تساؤلاته، فتحت لينا جفنيها ببطء، فرأت الكثبان الرملية التي لا تنتهي، كأنها بحرٌ من الذهب المذاب، يمتد ليذوب في أفق السماء الباهت.

ساد صمت ثقيل لا يقطعه إلا صوت أنفاسها المرتجفة وهي تحاول استعادة شتات ذاكرتها؛ آخر ما تذكره كان وجه صديقها، ثم ظلاما دامسا ابتلع الوعي والزمان.

وقفت لينا تنفض عنها رمال الصحراء، وفجأة، سرى وخزٌ جليدي في عمودها الفقري؛ نسمة دافئة لامست عنقها. التفتت بذعر، فجمُدت الدماء في عروقها وتيبست الكلمات على شفتيها أمام ذاك الوجه الذي تعرفه جيدا.

كان سديم يقف هناك، بذات الهدوء الرصين الذي اعتادته، وابتسامته التي كانت يوما مرفأ أمانها تلوح بتمهل، وكأنه كان ينتظر قدومها منذ مدة.

- لينا.. أهلا بكِ.

خرجت حروفها مخنوقة، تتصارع مع ذهولٍ شلّ تفكيرها:

- سديم؟ ما الذي تفعله هنا؟ كيف.. كيف لحقت بي؟ هل أنت..

توقفت الكلمات عند طرف لسانها، وغرق المكان في صمتٍ مطبق، وفي تلك الفجوة الزمنية، دوت كلمات الشيخ العجوز داخل رأسها كأجراسٍ ضخمة يهتز لها وعيها: 

- لا تخافي… لن تكوني وحدك، هناك… من سيرشدك.

الأتباع سيتولون نقلكِ.. تذكري، هم يشبهوننا، فلا تذعري.

ثم توالت اللحظات الغامضة كالاختفاء فجأة بين الزقاق، وأسئلته عن الزواج بجني، والحب بين شخصين مختلفين، وعن رغبته في كل مرة أن تذهب معه لعالم مختلف ...عالم الجن 

اتسعت حدقتا عينيها، وبدأ عقلها ينسج خيوطا مضطربة بين ذكريات الجامعة وهذا الواقع السريالي.

غامت الرؤية أمامها حين ترقرقت الدموع، وتمنت لو أن الرمال تنشق لتبتلعها قبل أن تواجه الحقيقة المريرة. رفعت بصرها نحوه، وسألته بصوت واهن يرتجف بشدة:

- أجبني بصدق.. هل أنت التابع؟ هل أنت.. جني؟

تجمد الهواء بينهما، وشردت نظرات سديم نحو الأفق البعيد قبل أن يعيد بصره إليها بعينين تحملان حزنا غائرا، ثم أجاب بنبرة هادئة:

- نعم يا لينا.. أنا كما اعتقدت تماما، لست بشريا، أنا من الجن.

شعرت لينا وكأن الأرض قد مالت تحت قدميها؛ اختل توازنها وترنحت للخلف وكأن الكلمات رصاصاتٌ أصابت صدرها. تقدم سديم نحوها بخطوة سريعة ليسندها، لكنها انتفضت بذعرٍ لم يعهده فيها، ورفعت يدها في وجهه بحركة دفاعية متشنجة وصرخت بصوتٍ مزقه الرعب:

- لا تلمسني!

توقف مكانه فورا، وتصلبت أطرافه، بينما كانت هي تحدق في كفه الممدودة برعبٍ، لم تعد ترى اليد التي كانت تساعدها في حمل الكتب بالجامعة، بل خُيّل إليها أنها ترى مخالب خفية تتربص بها خلف قناع الجلد البشري، تراجعت خطوة أخرى وهي تشهق بأنفاس متلاحقة:

- الجامعة.. المحاضرات.. كل تلك اللحظات كانت مسرحية، كذبة؟.... ما الذي تريده بالضبط؟ هل تريد إيذائي؟ 

انحدرت دموعها كالسيل الجارف، ثم سألته بصوت متهدج:

- لماذا خدعتني يا سديم؟ 

عقد سديم حاجبيه بذهول، وضاقت نظراته وهو يرمقها بعتاب لم يستطع إخفاءه، وقال:

- لينا، لو أردتُ بكِ سوءا، لما أضعتُ كل هذا الوقت في انتظاركِ. أنا هنا لآخذكِ إلى الملك، لأكون عونا لكِ، ولا أبتغي من وراء ذلك شيئا.

ثم أردف بهدوء يحاول امتصاص ثورتها:

-أنا لم أكذب عليكِ… أنتِ من لم تصدقي، تضحكين وتنعتينني بالمجنون عندما أخبرك، لستُ مخادع يا لينا.. 

تجسدت أمام عيني لينا مرة أخرى تلك الأحاديث التي كانت تنسج قصصا عن عوالم خفية وسكانٍ من جن، فاشتعل بداخلها مزيج من الذعر والقلق، ازدادت دموعها انهمارا، ورسمت مسارات فوق شحوب وجنتيها، قبل أن تصرخ في وجه سديم بنبرةٍ يملؤها القهر:

- بالتأكيد سأفعل! من ذا الذي يصدق أنكم بيننا، وتتخفون في ملامحنا؟ من الطبيعي ألا أشك فيك.

ضاقت عينا سديم وانعقد حاجباه في تعبيرٍ يشي بغضبٍ حاول كتمانه، متشبثا بهدوئه كدرعٍ أخير، وحين رمق الشمس التي بدأت تجر أذيالها الذهبية نحو المغيب، سرى الاضطراب في أوصاله وهمس لنفسه بقلق:

- ما العمل والشمس توشك على الغياب؟ هل أرجع بلينا؟ مستحيل.. ربما يمكنني..

فجأة، لمعت في ذهنه فكرة بثّت فيه شيئا من الأمل، فاستطرد محدثا نفسه:

- نعم، هذا هو الحل.. هكذا قد تنجو..

ثم أردف بنبرةٍ غلفها الحزن:

- أدرك أن قوتي لن تعود لسابق عهدها إن لم أقدم دمها بالكامل قربانا للشجرة الأم، ولكن.. على الأقل سأحميها.

اختار سديم أن يضع حدا لثورة لينا بكلماتٍ قاطعة، فدنا منها وهمس بنبرة خافتة:

- لينا، الوقت يتسرب من بين أصابعنا.. إن أضعناه في الجدال، فشيماء هي الثمن، إما أن نتحرك الآن، أو نودع فكرة إنقاذها للأبد. القرار لكِ.

خمدت ثورة لينا فجأة، وانطفأ لهيب غضبها تحت وطأة ذعرٍ جديد جمد ملامحها؛ فصورة شيماء وهي تتخبط في نزاعها كانت كفيلة بإخراس كل احتجاج.

تنفست بعمقٍ مرتعش، وألقت بنظرها نحو المدى البعيد حيث تتوارى الشمس، إلى آخر لحظة ظنت أن القصة قد تكون خرافة، وليست حقيقية، فقالت بصوتٍ مخنوق:

- إذن.. الأمر حقيقي، وعلينا حقا الاعتذار من الملك؟

- نعم، وقبل أن يطوي هذا اليوم آخر أنفاسه.

أطرقت لينا رأسها باستسلام، وقالت:

- حسنا... ما هي الخطوة التالية؟

أشار سديم بيده نحو الأفق القابع خلفه، وقال بصوتٍ هادئ:

- علينا عبور تلك الغابة.. هناك يربض الملك.

ضيق عينيه، ثم أردف بهمس:

- أو البيجمان شمهروش.

وقعت الكلمة الغريبة على مسامع لينا كطلسمٍ لم تفهمه، لكن ما ألجم لسانها حقا وجعل عينيها تتسعان بذهول، هو ذلك المشهد السريالي الذي انشقّت عنه الأرض؛ فوسط الصحراء القاحلة، برز جدارٌ من الخضرة الكثيفة كأنه معجزةٌ نبتت من العدم. أشجارٌ عملاقة تشابكت أغصانها كأصابع جبابرة تتعانق في عنفوان مهيب، لتكسر صمت الرمل بضجيج أوراقها المورقة.

تقدمت لينا بضع خطوات، مستسلمة لإغواء هذا الجمال الغامض؛ فعبق الأرض الندِيّة الذي انبعث فجأة في جوف الصحراء سلبها لبّها، وجعلها تنسى لثوانٍ مرارة واقعها. سحرها ذلك التناقض الصارخ بين حرارة الرمال وبرودة الظلال التي ألقت بها الغابة تحت قدميها، فخيل إليها أنها تخطو نحو جنةٍ مفقودة، لا نحو عالمٍ محفوف بالمخاطر.

تلاحقت الظنون في رأسها: هل الغابة هي موطنهم؟ أم أنها مجرد بوابة لعالم أشد رعبا؟ 

حدسٌ خافت يهمس لها بأن هذا الدرب هو مسار لا رجعة فيه. التفتت إليه بسؤال أخير:

- أين تعيشون؟ هل هذا هو عالمكم.. مجرد صحراء وغابة؟

ارتسمت على شفتي سديم ابتسامة باهتة، امتزج فيها ا

لوقار بمسحة من الحزن، ثم بدأ يخطو خطواته الأولى نحو الظلال الكثيفة وهو يقول:

- سأجيبكِ عن كل شيء.. لكن دعينا نتحرك الآن، وإياكِ والتوقف.

More Chapters