انفجر سديم وانقضّ محاولا الإمساك بجلجان، لكن الأخير كان كالشبح؛ قفز بعيدا بخفة، ثم صرخ من مسافة آمنة بعيد عن متناول يدي أخاه:
- أنا آسف! جئتُ فقط لأخبرك أن أبي يبحث عنك... إلى اللقاء!
زمجر سديم بنبرة مكتومة وهو يحدق في الفراغ الذي خلفه أخوه:
- جلجان أيها التافه، سأريك حين نلتقي.
ثم التفت إلى لينا، محاولا لملمة شتات الموقف بكلمات مرتبكة:
- أخي يتعمد الكذب دائما، إنه يستمتع بإلقاء الكلمات المسمومة، أرجوكِ، لا تصدقي شيئا مما قاله.
لكن لينا لم تنبس ببنت شفة؛ فقد استوطن الخوف أعماقها، ورغم أنها واصلت السير معه، مجبرة قدميها على الحراك، إلا أن وقع كلمات جلجان ظل يتردد في أذنيها، ولكن ليس باليد حيلة فسديم ومن معه أرحم من السواد الذي خلفهم.
ما إن دخلوا إلى المكان المنشود، وقفت لينا مبهوتة، وقد اتسع سواد عينيها بذهول ألجم لسانها؛ فقد انقشعت غلالة الأغصان لتكشف عن "الشجرة الأم"، التي بدت وكأنها حلم منسوج من الضوء، كانت ضخمة بشكل مهيب، يرتفع جذعها الضارب في القدم كعمود من الرخام، تتخلله عروق ذهبية تنبض بضوء خافت يتدفق ببطء نحو الأعلى، كأنها دماء من نور تسري في جسد عملاق.
رفعت لينا بصرها لتراقب الأغصان الشاهقة، فرأت أوراقها البيضاء الشفافة، كانت تلمع تحت الضوء الخفي كأنها قطع من الكريستال المصقول، ومع كل نسمة ريح رقيقة تمر بينها، كانت تلك الأوراق تصدر حفيفا موسيقيا يشبه رنين أجراس بعيدة، وتتمايل برقة تجعل الضوء ينعكس عنها ليسقط على وجه لينا في حركات راقصة ومضطربة.
مدت يدها ببطء، وكأنها تخشى أن يتبخر هذا المشهد، ثم حدقت إلى الحشرات الصغيرة جدا والمضيئة.
كانت تحوم فوق بركة الماء الساكنة، ترسم مسارات من الضوء الأزرق السماوي في الهواء، ثم تغط برفق على سطح الماء لتحدث تموجات دقيقة تتسع وتتداخل في لوحة لم تبصرها عين بشرية من قبل.
استنشقت لينا عبير المكان، فكان الهواء محملا برائحة الندى والزهور البرية، مما جعلها تغمض عينيها للحظات لتستسلم لهذا السلام الذي غلف روحها المنهكة.
لكن، ومع مرور الدقائق وتلاشي سكرة الذهول الأولى، بدأ ذلك الهدوء الساحر يتحول في نظرها إلى صمت، فتحت عينيها وأخذت تتلفت حولها بدقة أكبر، فبالرغم من جلال الشجرة وعظمتها، إلا أنها لم تجد أثرا لوجود حرس أو خدم يحيطون بهذا المكان الذي يفترض أنه عرش للملك، أو كما وصفه سديم "للبيجمان شمهروش"، رغم أنها لا تعلم إن كانت كلمة "بيجمان" تعني ملكا عندهم أم شيئا آخر أكثر غموضا.
لم تكن هناك أصوات لخطوات، ولا جلبة تليق بقصر، ولا حتى همسات حراس يختبئون خلف الظلال، انقبض قلبها فجأة، وعاد التوتر ليتسلل إليها، فالتفتت نحو سديم الذي كان يراقبها بصمت، وسألته بنبرة يغلفها القلق واستغراب شديد:
- سديم، أين هو الملك؟ المكان خالٍ من الحرس والخدم ومن كل شيء! أين أجد البيجمان شمهروش لنعتذر منه؟
تصلب سديم في مكانه وكأن أسئلتها كانت سهما أصابته في المقتل، فظلت عيناه معلقتين بتلك الأوراق البيضاء التي تتلألأ فوقهما، ثم فتح فمه ليقول شيئا، لكن الكلمات انحشرت في حنجرته كغصة حارقة، فابتلع ريقه بصعوبة وبدت تفاحة آدم في رقبته وهي تتحرك باضطرابٍ يفضح ما يحاول إخفاءه.
لم يجرؤ على النظر إليها مباشرة؛ بل أخذ يزيح بعض الحصى الصغير بطرف حذائه فوق العشب، محاولا الهروب من نظراتها الفاحصة التي كانت تطلب يقينا لا يملكه.
تداخلت أصابعه خلف ظهره وأخذ يفرك كفه بالأخرى بقوة، بينما كانت ملامحه الهادئة تتآكل تحت وطأة الارتباك، ثم رفع يده ومسح جبينه الذي بدأت حبات عرق تظهر عليه رغم برودة الجو الرطب حول البركة، ثم أطلق زفيرا طويلا، وكأنه يحاول طرد الحقيقة وثقلها التي تجثم على صدره.
اقتربت منه لينا أكثر، وبدأ الذهول لديها يتلاشى ويحل محله التوجسٌ، وفي المقابل كان سديم غارقا في صمته، يراقب انعكاس الضوء الأزرق على سطح الماء الراكد، وبدا صمته في تلك اللحظة أثقل من أي إجابة. لو نطق بها.
مد يده أخيرا باتجاه الشجرة، وقال بصوت منخفضٍ ومتهدج:
- ستأكلين يا لينا من ورق الشجرة، ثم سأجرحكِ جرحا صغيرا في يدك، ونجعل دمك يقطر في البركة، وأدخل أنا البركة لأناديه؛ فالماء.... الماء لن يفتح لي أبوابه إلا بدماء إنسي.
ذهلت لينا لوجود ملكٍ يسكن بركة ماء، ولتلك المقايضة الغريبة التي تجعل الدماء مفتاحا وحيدا للدخول، كانت الفكرة بحد ذاتها تبعث على القشعريرة، لكن الغرابة في هذا العالم كأنها القاعدة التي تحكم كل شيء؛ لذا لم تستفسر، ولم تحاول البحث عن منطقٍ وسط هذا الجنون.
مضت نحوه، وأخذت من بين يديه تلك الورقة الشفافة التي كانت تلمع بضياء خافت، ثم وضعتها في فمها، وهي تشعر ببرودة ملمسها قبل أن تبدأ في الذوبان
كان طعمها حلوا، يذوب في الفم بمرونة تشبه حلوى الهلام، وما إن ابتلعتها حتى شعرت بدوار خفيف يداعب رأسها، لكنه سرعان ما انقشع ليحل محله سريان حرارة في عروقها.
هنا، وبحركة تخلو من أي تردد، أخرج سديم سكينا صغيرا من جيبه، ولم ينطق بنبت شفة، بل مد يده فحسب، مدت ل
ينا يدها هي الأخرى لتلقى قدرها تحت نصل السكين.
