Cherreads

Chapter 6 - الفصل السادس

 

 قالت سارلا بنبرة حازمة لسديم:

 - اسمع.. سآخذُ العصا من جارج، وسأجعل شعلتها أكبر من هذه لتتمكن أنت من الرؤية، وعليك البقاء بجانب جارج، فجسدك هذا سيتأذى بشدة لو وصلوا إليك.

 - حسنا.

 اندفعت سارلا نحو جارج وانتزعت العصا من يده، بينما تحولت تمتماتها إلى أزيزٍ سحري متصل، فاستشاط لهب العصا وتفجّر ضياءً رمى بظلالٍ مضطربة فوق الأديم. راحت تُلوح بالشعلة يمينا ويسارا، ترسم دوائر قانية من نار، في محاولة يائسة لاقتناص هوية ذلك القابع في الخفاء، والذي يتلاعب بأعصابهم بخبث.

أما لينا، فقد تجمّد الدم في عروقها واستسلمت لشللٍ مفاجئ؛ زاغت عيناها في الفراغ الرمادي الموحش، تحاول اختراق جدار الظلمة الذي يلتف فيه الوحش، لكن الرؤية خذلتها، فلم تبصر سوى جذوع الأشجار السوداء التي انتصبت حولهم كقضبان سجنٍ كبير.

التفتت ببطء نحو سديم، وبعينين عسليتين عكستا وهج النار، همست بصوتٍ مخنوق:

- سديم... أرجوك.

تناهى صوتها الواهن إلى مسامع سديم، فانتشله من ذهوله ومثل أمامها في لمح البصر. 

مدّ يديه القويتين لينهضها، ثم جعل من قامته العريضة درعا حصينا يحميها، واجما في العتمة بترقبٍ شرس وعضلات كتفيه مشدودة كوتر قوس بانتظار المواجهة.

وأخيرا، بدأ الوحش يتجسد؛ برز ظلٌ مخيف يزحف ببطء، مقتطعا مساحات الضوء الضئيلة. 

وفي ذروة الرهبة، لم تجد لينا مفرا سوى التشبث ببصيص نجاة؛ مدّت يدها المرتجفة حتى لامست أناملها الباردة نسيج قميص سديم الخشن، وأحكمت قبضتها عليه كغريقٍ عثر على لوح خشبٍ وحيد وسط الأمواج.

بمجرد أن استقر ملمس يدها على ثوبه، سرت في جسد سديم رعدةٌ مباغتة جمدت دماءه وتعثرت معها أنفاسه. شعر كأن الهواء استحال إلى شظايا زجاج تجرح رئتيه، وحاول جاهدا التماسك، لكن تقاسيم وجهه المشدودة وعروق رقبته البارزة فضحت ذلك الارتباك العاصف الذي يضطرب في أعماقه

تزاحمت في رأس سديم أسئلة لاهبة: 

- لماذا ينبض قلبي بهذا العنف لأجلها؟

ومع اقتراب الوحش وتمدد ظله الثقيل، انهارت مقاومة لينا؛ أسندت رأسها بضعفٍ على ظهره العريض، وأغمضت عينيها بيأس بينما بللت دموعها ثوبه.

أحسَّ سديم بوهج رأسها وثقله، فابتلع غصةً مريرة واستجمع شتات صوته ليقذف في قلبها الطمأنينة، وهتف قائلا:

- لا تخافي يا لينا.. معنا سارلا وجارج، ولن نُهزم أبدا

لم يهدأ قلبُ لِينا من خفقاته، لكنها استشعرت سكينة غريبة بدأت تتسرب إلى وجدانها، لمجرد وجود سديم كحائطِ صدٍّ منيع يقف بينها وبين الرعب.

تبددت غيوم الرعب فجأة حين انجلت هوية الكيان المتربص؛ لم يكن وحشا، بل كان "جلجان"، الأخ الأصغر لسديم.

كانت هيئته مهيبة تبعثُ في النفس رهبة غريبة؛ بشرةٌ تميلُ لحمرة خافتة تحت الضوء، وعينان غائرتان كقطعتين من ليلٍ سحيق، يحيط بهما وجهٌ مستطيل تبرز من جانبي شعره الأبيض المنسدل أذنان طويلتان وحادتان. 

كان يرتدي عباءة حمراء ثقيلة تغطي منكبيه كأنها شلالٌ من دم، تاركة عضلات صدره المفتولة مكشوفة، بينما يمنحه سرواله الرمادي الفضفاض خفةً للتحرك.

في تلك اللحظة، ارتخت الأعصاب المشدودة وتصاعدت أنفاس الارتياح، إلا سديم؛ فقد عقد حاجبه واتقدت عيناه بشرر الغضب، ثم هدر بصوتٍ زلزل سكون المكان:

- حقا؟ ماذا تريد يا جلجان؟ هذا أولا... وأخيرا، غيّر هيئتك هذه فورا!

ضيق جلجان عينيه باستغراب من نبرة أخيه الحادة، وقبل أن ينطق ببنت شفة، مال سديم بجسده قليلا لتنكشف لِينا القابعة خلفه.

في تلك اللحظة، فهم جلجان ما يرمي إليه سديم، لقد أدرك أن أخاه قد عثر أخيرا على المضحي.. على الإنسية التي سيسفك دمها قربانا لخلاصه.

وامتثالا لطلب أخيه، بدأت هيئة جلجان تتلاشى وتتشكلُ من جديد في مشهد، فاستحال جسده الضخم إلى قوام رقيق، وتحول شعره الأبيض إلى خصلات صهباء، بينما صُبغت عيناه بلون بني دافئ. 

كانت هذه الهيئة هي ذاتها للرجل الذي أرداه قتيلا بالأمس في معركةٍ ضارية ضد ساحرة قتلت صديقه.

تقدم جلجان نحو أخيه بخطوات واثقة، وعلى ثغره ارتسمت ابتسامةٌ غامضة، ثم خاطبه قائلا:

- يا رجل، لقد غمرتني الفرحة لأجلك، وأخيرا ستعو....

لكن سديم قاطعه بحنق، ولم يتركه يتمُّ عبارته:

- شكرا، ولكن لديّ مهمة؛ سأصطحب لِينا إلى البيجمان شمهروش، لأنها ترغب في إنقاذ صديقتها.

ارتفع حاجبا جلجان بذهول تام وتجعد جبينه وهو يحدق في أخيه مليا، ثم سأل باستنكار:

- البيجمان شمهروش؟ أحقا ما تقول؟!

أجابه سديم باقتضابٍ حذر، وقد ضيق عينيه لينذر أخاه بصمت:

- نعم

أدرك جلجان حينها أن أخاه ينسجُ خيوط خديعة كبرى حول هذه الإنسية المسكينة، فالمعروف في عالمهم، أن البيجمان شمهروش قد غادر عالم الأحياء منذ دهر طويل.

التفت جلجان نحو لِينا التي كانت لا تزال ترتعش خلف ظهر أخيه، وبدَّل نبرته لتصبح أكثر رقة ودماثة، وقال بلسان معسول:

- مرحبا أيتها الإنسية الخائفة.. لا تجزعي، هيا انظري إليّ.. أنا مثلكِ تماما.

رفعت لِينا رأسها بجهد جهيد، وحدقت في ملامحه البشرية التي انبعثت منها نفحة من السكينة، فارتخت أساريرُ وجهها الشاحب، وأجابت بصوت خافت متهدج:

- مرحبا بك.

استقرت نظرات جلجان على لِينا بفضول مريب؛ كانت عيناه البنيتان تتفحصان ملامحها بدقة متناهية، يحاولُ أن يستشفَّ عبرها مدى غرقها في بحر الجهل، ومدى نجاح أخيه في إخفاء الحقيقة المرة عنها.

مال جلجان برأسه قليلا، ثم افرجت شفتاه ابتسامة حملت في طياتها مزيجا من السخرية والشفقة، وهو يرقبُ كيف تتشبثُ هذه الإنسية الواهنة بقميص أخيه كغريق يتشبث بقشة.

وعلى الرغم من هدوء أنفاسها التدريجي أمام ملامح جلجان الآدمية، إلا أنها لم تلحظ تلك النظرة الخاطفة التي تبادلها الأخوان، نظرة حملت تحذيرا صامتا وصارما من سديم، وتساؤلا متهكما من جلجان.

دنا جلجان خطوة أخرى، محافظا على نبرة صوته، وسأل لِينا قائلا:

- إذن، البيجمان شمهروش هو ووجهتكم.

كادت تفرُّ من بين ثناياه ضحكة مكتومة، كان سيُفصح معها عن رحيل البيجمان الأبدي، لكنَّ نظرة سديم الحادة التي انغرست في عنقه جعلته يبتلع كلماته في اللحظةِ الأخيرة. 

تحرك سديم بجسده ليقطع حبل التواصل البصري بينهما، وقال بنبرةٍ جافةٍ كالحجر:

- لقد انتهى الحديث هنا يا جلجان.. نحنُ على عجلة من أمرنا.

ورغم تلك الابتسامة الوادعة التي رسمها جلجان على وجهه المستعار، إلا أن صورة ظله الأول لم تفارق مخيلة لِينا لحظة واحدة.

كانت تلك الهيئة العملاقة التي ترأت لها في البدء قد انطبعت في أعماق ذاكرتها، وأدركت في أعماقها - برغم كل محاولات الطمأنة- أن هؤلاء الذين يحيطون بها ليسوا سوى كائنات مخيفة، وأن هذا الوجه الجميل ما هو إلا قناعٌ رقيق يخفي خلفه الرعب.

لم تكن لينا بحاجة لرؤية ملامح جلجان الحقيقية لتدرك الخطر، فقد كان ظله المرعب الذي تمدد فوق الأرض قبل قليل كافيا ليوصل إليها الحقيقة كاملة، فتساءلت في سرها قائلة:

- إذا كان هذا هو شكل الأخ الأصغر الذي اتضح من ظله أنه مسخ عملاق، فما الذي يخفيه سديم خلف هذا الجسد؟ وكيف ستكون هيئة البيجمان الذي نسعى إليه؟

لم تكن تعرجات جبهة سديم تنم عن غضب عارم فحسب، بل كانت صدى لمعركة داخلية عنيفة تكاد تنفجر، لكنه لجم ثورته قسرا حين رأى ارتجاف لينا؛ كان عليه أن يرمم شظايا طمأنينتها المكسورة قبل أن تنهار تماما، التفت إليها، وبنبرة حاول أن يحشر فيها هدوءا زائفا، قال:

- لا تخافي يا لينا، إنه أخي الأصغر.

بعد أن انتهى من كلامه، حثها على التقدم معه، لكن لينا تجمدت مكانها؛ كانت تتوق لمعرفة متى ستنتهي هذه المهمة اللعينة، متى ستخرج من هذا العالم الذي بدأ يطبق على أنفاسها، فسألته بصوتٍ متهدج، عن موعد نهاية هذه الرحلة الموحشة: 

- متى نصل يا سديم؟! قل لي متى نخرج من هذا الظلام؟

تنهد سديم بعمق، وارتسمت على وجهه ابتسامة صغيرة وباهتة، ورد قائلا:

- خطوة واحدة صغيرة ونصل.

ترددت لينا لثوان، ثم استجمعت شتات قوتها، وخطت معه نحو المكان المنشود.

وفي غمرة مسيرهم، كانت سارلا تسترق النظر إلى جلجان بعينين لا تفوتهما التفاتة، وهي لا تزال أسيرة ذلك الصوت الغريب الذي صاحب قدومه؛ صريرٌ معدنيٌّ أعاد إلى مخيلتها صورة "القناطر". 

ذلك الكائن الهجين الذي يحمل وقار البشر وضراوة الزواحف في آنٍ واحد، ففي حين يوحي جذعه العلوي بهيئة آدمية، يكتسي جلده نسيجٌ خشنٌ من الحراشف الزيتونية القاتمة، وتنتصبُ عند كتفيه وعموده الفقري نتوءاتٌ عظمية كأنها خناجرُ مغروسة، بينما يزحف خلفه ذيله المدرّع، ثقيلا، ليترك صريرا يشبه اصطكاك الصخور الصماء، أو طرقعة حوافر خيلٍ غريبة على أرضٍ صلبة.

فسألت سارلا، والفضول يتدفق منها:

- كيف أصدرتَ تلك الأصوات يا جلجان؟

أجاب جلجان، والزهو يرقص في نبرته:

- إنها التعويذة، تلك التي غنمتُها من ذلك الإنسي الذي قتـ...

انقبضت حنجرته فجأة، وتجمدت الكلمة فوق لسانه كقطعة جليد مسمومة حين لمح ظِل لينا. ابتلع ريقه، وصحح مسار كلماته بارتباك مفضوح:

- أقصد، الذي خضتُ معه قتالا ضاريا، ومن يفز يظفر بالتعويذة...هزمته، فأخذتها منه، ومضى هو في سبيله.

تنهد جلجان محاولا طرد التوتر، لكنه شعر بنظرات أخيه سديم تخترق ظهره كأنها مسامير محماة، كان سديم يعلم الحقيقة القابعة خلف ذلك الكذب الهش؛ يدرك أن الإنسي لم يرحل، بل قُتل، وأن التعويذة لم تكن جائزة نصر، بل غنيمة موت.

أما لينا فقد شعرت بالغرابة من فكرة أن يمتلك جني - وهو الكائن الذي يُفترض أنه مصدر القوة للتعويذة- أداة خارجية أو كلمات مسطورة ليمارس السحر.

سرحت بنظرها في الفراغ المحيط بهما، وتساءلت في قرارة نفسها:

- هل القوانين التي تحكم هذا العالم مختلفة كثيرا عن قوانيننا؟

ساد صمت قصير، لم يقطعه سوى حفيف الأشجار، وصوت تحطم الأوراق اليابسة تحت أقدامهم، إلى أن اخترق جلجان هذا السكون، موجها بصره نحو لينا بفضولٍ قائلا:

- إذن.. هل تعرفين أخي جيدا؟.

أجابت لينا، وصوتها يخرج خافتا:

- نعم، إنه صديقي.. أو بالأحرى، كان صديقي.

رفع جلجان حاجبيه بدهشةٍ:

- والآن؟ 

ردت بمرارة، مع أنها لا تعلم ما سبب غضبها من سديم: 

- لا أعلم!

انفجر جلجان بضحكة مكتومة: 

- لماذا؟... أنا أعرف أخي، لا بد أنه اقترف حماقة كبيرة أدت إلى هذا الجفاء.

قاطعه سديم بصوت كالرعد، يحمل نذير عاصفة:

- اصمت يا جلجان! أقسم لك، لن أغفر لك لو تماديت أكثر.

رد جلجان ببراءة مصطنعة، ووجهه يرتدي قناع الضحية:

- لماذا كل هذا الوعيد؟ أنا لم أفعل شيئا، مجرد حديثٍ عابر مع هذه الإنسية.

زمجر سديم بغضبٍ مكتوم:

- لا تتحدث معها يا جلجان! كفى ما فعلت!

هز جلجان كتفيه بلامبالاة، وقال:

- حسنا، حسنا.. أنا آسف، رغم أنني أتساءل فقط.. هل هي واثقة بنا

حقا لتسير معنا إلى هناك؟

تسمرت لينا في مكانها، شعرت ببرودةٍ تجتاح أطرافها كأن كلمات جلجان كانت طعنة من سكين جليدي أثلج عمودها الفقري، حتى ارتجف جسدها بقوة.

More Chapters