Cherreads

Chapter 4 - الفصل الرابع

وفجأة، انطفأ بريق عيني سديم وكأن سراجا قد هَمَد، وفي المقابل اشتعلت أجنحة الفراشات من جديد بضوء أصفر وهّاج، تنثر خلفها غباراونورانيارشقّ عتمة الغابة، مكونا ما يشبه العاصفة رملية مضيئة.

لكن ذلك البريق الساحر لم يفلح في تهدئة روع لينا، ولا حتى روع سديم؛ فهو يدرك تماما أن اشتعال ضوء الفراشات بعد انطفأ مفاجئ ليس إلا إنذارا صامتا بخطرٍ داهم يزحف نحوهما من قلب المجهول.

لم يستطع سديم، برغم خبرته بعالم الغابة، أن يتبين مصدر ذلك الصوت المبحوح الذي تردد في الأرجاء؛ هل هو غدرٌ من الجن؟ أم من "القناطر" المتربصة؟ أم لعله ساحرٌ شرير يريد أن الخناق عليهما؟

تمزق السكون تحت وطأة خطواتٍ سريعة ومضطربة، فتجمد سديم لثوانٍ بدت كالأزل، قبل أن يندفع بجسده الفارع ليقف حائلا بين لينا ومصدر الصوت، متخذا وضعية الدفاع، وحين شعر بارتعاش يديها الذي انتقل إليه كتيارٍ كهربائي، همس بنبرةٍ حاول أن يحشد فيها كل طمأنينة العالم:

- لا تقلقي.. أنا معكِ.

تضاعف صخب الخطوات، وبدأت أشباحٌ مجهولة تلوح من بعيد وسط الظلال المتداخلة، فتشنجت عضلات كتفي سديم وهو يحدق في المجهول القادم، ودارت في عقله أمنيةٌ يائسة:

- أتمنى أن يكون القادم من أبناء مملكتنا، فجسدي البشري الهالك هذا لن يقوى على ردع أي بطش.. سأكون عاجزاً عن حمايتها.

برز ظلان من بين الشجيرات الكثيفة، يتهاديان كطيفين غامضين تحت الضوء الشحيح، فشق سديم الصمت بصوتٍ حاد، تحمل نبرته توجسا وتحديا:

- من أنتما؟!

حين دنا الظلان وبرزت ملامحهما تحت ضوء الفراشات المتراقص، والقمر المنير، انفرجت أسارير سديم وزفر زفرة ارتياحٍ بددت تشنج صدره، ثم قال بنبرةٍ معاتبة امتزجت بالدهشة:

- أنتما!

ابتسم صديقاه بريبة حين وقعت أنظارهما على لينا القابعة خلفه، وتقدم "جارج" بخطواته الثقيلة، وسأل بنبرة حملت تساؤلا لم يكتمل:

- إذا.. هل وجدتَ..؟

قاطعه سديم بحدة مباغتة، مغلقا عليه طريق الكلام قبل أن يفضح سرّه أمامها:

- نعم، لقد وجدتُ من أوصى الشيخ بضرورة مساعدتها وحمايتها.

تبادل الصديقان نظرة ذات مغزى، صمتت فيها الألسن وتحدثت العيون بلغة لم تفهمها لينا، قبل أن تستدرك "سارلا" الموقف بذكاء، قائلة برقة مصطنعة:

- آه، أنتِ إذا الفتاة التي أمرنا الشيخ بحمايتها.

بحثت لينا في ملامحهما التي تشبه البشر برعب لم يتبدد تماما؛ كان "جارج" رجلا ضخم البنية، عريض المنكبين، يتميز بأنف حاد وعينين بنيتين عميقتين توحيان بقوة غاشمة. أما "سارلا"، فكانت تبدو رقيقة، بخصلات شعر فاحم ينسدل كموج الليل، وعينين سوداوين تماثلان عتمة الغابة.

مدت سارلا يدها وأمسكت بيد لينا بلطف، مؤكدة لها أنهما سيظلان بجانبها. 

في تلك اللحظة، بدأت أسوار الشك العالية لدى لينا تنهار، رغم ذلك الصوت الضئيل الذي لا يزال يطن في أعماق روحها: 

- أهذا حقيقة.. أم فخ محكم لجرّي نحو الهاوية؟

لكن رؤية سديم وهو يقف حائلا بينها وبين الخطر، جعلت روحها تهدأ قليلا، إذ قالت في سرها معللة:

- لا يمكن للمرء أن يخاطر بروحه لأجل شيء لا يحبه.. ولكن....

صمت قليلا وأكملت بتوجس: 

- ماذا لو كان يحمي فريسته فقط؟... لا.. اهدأي يا لينا، سديم لن يفعل..

سكنت فجأة وترقرقت عيناها بالدموع، فكفت عن التفكير، وسارت خلف سديم بخطوات حذرة، وكأنها تطأ فوق نسيج عنكبوت واهن، تخشى في كل لحظة أن يطبق عليها سديم وأصدقاؤه.

غاب القمر تماما خلف جدارٍ من رؤوس الأشجار الكثيفة التي تشابكت أغصانها كأصابع عملاقة تسد منافذ النور. وبدأت الفراشات المضيئة تنبثق بكثافة مذهلة من بين الشجيرات أكثر من قبل، فاستحالت العتمة إلى لوحة منقوشة بنقاط النور الراقصة. 

تسمرت لينا في مكانها بذهولٍ صامت، تتابع تلك الكائنات الساحرة بأعينٍ التمعت فيها الدهشة لأول مرة منذ دخولهم هذا العالم.

كان سديم يسرق النظرات نحوها، يراقب انعكاس الضياء الضئيل في محجريها وتلك الفرحة الطفولية التي ارتسمت على محياها رغم كل شيء.

غرس المشهد في صدره حسرة إضافية؛ إذ أدرك أن هذه الأحراش تخفي في جوفها قسوةً لا ترحم، غير أن تصميمه كان يتصلب داخل أعماقه كالصخور، مقسما على نفسه أنه لو بلغ بها إلى الوجهة المنشودة سيحميها مهما كلفه الأمر.

عجز سديم عن وصف ذلك الوخز الحارق الذي كان ينهش نياط قلبه كلما وقعت عيناه على لينا، وتساءل في حيرة مريرة: 

- هل هذا وخز الذنب لأني أقودها بيدي نحو خطرٍ قد يسحق روحها؟ أم أنها مرارة الخيانة لثقةٍ منحتني إياها دون قيد أو شرط؟

كانت مشيته البطيئة تحرق أعصاب روحه، وتمنى لو يسرع الخطى ليفر من الألم الذي يعتصر صدره، ومضى يتساءل في صمتٍ يفتك به: 

- هل أجازف وأخبرها الحقيقة الآن؟ لا.. قد ترفض مساعدتي وتوليني ظهرها. 

كيف أجرؤ على إخبارها أن الطريق الذي نسلكه لا ينفعها في شيء، بل هو جسرٌ ممهد لمصلحتي أنا وحدي؟

قفز إلى ذهنه خاطرٌ مسموم، كأنه يحاول تبرير غدره: - هل لينا حقا كما ادعت تلك الفتاة؟ إن كانت كذلك.. فهي تستحق ما سيحدث لها.

لكنه سرعان ما انتفض رافضا:

- لا، لينا ليست مخادعة.. لا بد أن أسألها بعد أن... تبا، لا أستطيع التفكير!

كانت ملامحه تضطرب كلما التقت نظراتهما، فيشيح ببصره نحو عتمة الأشجار، محاولا إخفاء الصراع الذي يعصف بكيانه.

بدأت الغابة تكتسي بوحشةٍ قاتمة بعد أن انطفأت الفراشات المضيئة؛ تلك الرفيقة التي كانت تؤنس وحشة لينا ذبلت حركتها واحدة تلو الأخرى، كفّت عن رقصاتها، وتلاشى نورها الشاحب في بحر الظلمة حتى ذاب واختفى تماما، ولم يعد أمامهم سوى فوهةٍ سوداء.. هوةٍ سحيقة ممتدة إلى ما لا نهاية.

التفتت لينا حولها بذعر نهش ما تبقى من ثباتها، كانت أنفاسها تخرج متهدجة، مسموعة.

بحثت عيناها الزائغتان عن أي بقعة ضوء، حتى لو كانت تلك الجمرات الحمراء التي ترقبها من خلف الجذوع، فالسواد المطلق كان أشد فتكا من عيون الوحوش.

في تلك اللحظة، شعر سديم ورفيقاه بانعطافة حادة في طبيعة المكان؛ لقد اقتربوا من "قلب الغابة". 

لذلك اختفت الفراشات المضيئة وانسحبت الظلال الحارسة، فهي لا تجرؤ على المضيّ أبعد من تلك الحدود المحرمة.

وسط هذا السكون الخام، صار لكل شيء صوت مضاعف؛ كان وقع أقدامهم على أوراق الشجر اليابسة يبدو كطلقات مدوية ترتطم بالجذوع العملاقة فترتد أصداءً مشوشة، محولةً الصمت المهيب إلى ضجيج داخلي يمزق هدوء النفس. لم تعد لينا تقوى على المداراة؛ كان الخوف ينخر صدرها كدبّور ينهش خشباً عتيقاً. شعرت بدوار يغزو رأسها، ولم يعد جسدها يحتمل هذا الهواء المثقل برائحة العفن والتراب المبلل.

توقفت فجأة، وخرج صوتها واهنا مخنوقا تنادي "سديم" الذي كان قد تجاوزها ببضع خطوات:

- سديم! لم أعد أحتمل... أرجوك، توقف قليلا.

ضغطت بأصابعها المرتجفة على صدرها، وكأنها تحاول لجم خفقات قلبها التي تمردت على أضلعها، ثم أردفت بتوسل منقطع:

- أنا أخاف الظلام.. سديم لا تتركني وحدي.. لا أقوى على الحراك، هناك ثقل.. ثقل يضغط على روحي.

لم يأتِها رد، بل لمحت في قلب العتمة ظلالا داكنة تتقدم بآلية باردة دون أن تلتفت إليها، وقبل أن تدرك الحقيقة، انطفأ وعيها تماما، وانهار جسدها فو

ق الأرض الرطبة، تاركة أمنية أخيرة بأن يلتفت إليها سديم وينقذها.

More Chapters