Cherreads

Chapter 5 - الفصل الخامس

تسمّر سديم في مكانه حين اخترق مسمعه صوت ارتطام مكتوم، وتدفق الدم الحار في عروقه بقوة آلمت صدغيه، عندما لم يجد لينا خلفه، فصاح بنبرة شرخت صمت الغابة:

- لينا!

تحسس الفراغ خلفه بجنون، فلم يجد سوى العدم، لم يسمع حفيف ثيابها ولا أنين أنفاسها، انتفض جسده برعشة هستيرية، وبدأ يتخبط في العتمة، ويمد يديه كغريق يبحث عن حبل نجاة:

- لينا! أين أنتِ؟ أجيبيني! توقفي عن العبث.. هذا ليس وقتا للمزاح!

كانت الغابة تبتلع صرخاته ببرود، وجسد لينا الملقى قد صار جزءا من سواد التربة، بعيدا عن متناول يديه.

في تلك الأثناء، وقف جارج وسارلا يشاهدان انهيار سديم، قدح مشهد بحثه المستميت شرارة في ذاكرة سارلا، فارتجفت يداها وهي تضرب كفا بكف وتمتمت بصوت مخنوق:

- يا لغفلتي! كيف فاتني هذا؟ البشر لا يملكون عيونا تبصر في هذا السواد، وحتى سديم.. بجسده البشري هذا، صار ضريرا مثلهم.

استلت من جيبها غصنا خشبيا قصيرا، ورفعته أمام وجهها بتركيز عالٍ، وبدأت تتمتم بكلمات غامضة، حروفها متشابكة كطلاسم قديمة. 

وفجأة، انشق رداء الليل عن وهج ساطع؛ اشتعل رأس الغصن بلهب ذهبي مقدس، وأضاء الطريق أمامهم.

أبصر سديم لينا ملقاة وسط الدرب، فسرت قشعريرة باردة في أوصاله جمدت دمه للحظة، قبل أن يركض نحوها كالمجنون.

جثا على ركبتيه واحتضن وجهها الشاحب بين كفيه، يمسد شعرها بحنوّ يائس لم يألفه رفاقه فيه، وهمس وعيناه تترقرقان بدموع محبوسة:

- أرجوكِ، يارب، لا تدع مكروها يمسّها.

تحت دفء لمساته، بدأت أجفان لينا تتحرك، فتحت عينيها ببطء لتستقبل ضوء الشعلة، وهمست بتعب:

- سديم.. جسدي صار ثقيلا، لا أقوى على خطوة أخرى.

 قاطعها بنبرة يمتزج فيها الخوف بالحنان:

- لا عليكِ يا لينا، سنرتاح هنا.. وأعدكِ، سنخرج من هنا معا.

راقبت سارلا المشهد بصمت، لكن صدرها ضاق بلفح غيرة مريرة. 

لم ترَ وريث "مملكة النار"، المحارب الذي لا يقهر، واهنا وضائعا بهذا الشكل من قبل.

تقاطعت نظراتها مع جارج في يقين صامت:

سديم لا يعامل هذه البشرية كـ "أداة" أو وسيلة لمهمة إنقاذ كما ادعى، عندما التقى بهم وأخبرهم بأنه وجد إنسية ستتبرع له، وأمرهم بأن يجهزوا أنفسهم لكي يلتقوا هناك، ولكن شكا بأن هناك خيط خفي يربطه بها.

لكن حاولت سارلا أن ترمم كبريائها، فابتسمت لنفسها بخبث وهي تهمس لقلبها:

- ربما هو مجرد قناع.. لعل سديم يخشى ضياع فرصته الأخيرة في استعادة قوته، فيتظاهر بالودِّ ليضمن بقاءها. ألم يأمر جارج بالصمت؟... نعم، إنه يمثل لا أكثر.

تنفسَت سارلا الصعداء، وشعرت وكأنَّ جبلا قد انزاح عن كاهلها. 

ما دام اهتمام سديم مجرد مناورة سياسية، فأسوار قلبه لا تزال منيعة أمام البشر، ثم اتجهت نحوه بملامح حاولت جعلها متماسكة، وقالت بهدوء يشوبه حدة طفيفة:

- يبدو أن جسدها الضعيف لم يحتمل ضغط الغابة. علينا التوقف هنا، حتى يعتاد جسدها الغابة.

لم يمنح سديم أي إجابة لسارلا، بل ظلَّت عيناهُ مسمرتين على وجهِ لينا، يتفرّسُ ذلك الشحوبِ الذي غزا ملامحها، ويرصدُ ارتعاشَ أنفاسها المتهدجة وهي تصارعُ لتستعيد تنظيمها، وبعد صمت نطق بصوت مبحوح:

 - نعم، أنتِ محقة، لن نتحرك الآن.

 جمدت ملامح سارلا، وضاقت عيناها بحدة، وتحرك فكُّها في تشنج طفيف قبل أن تُطبق شفتيها بقسوة، ثم رمت لينا بنظرة فاحصة مغلفة بامتعاضٍ لم تستطع كبته.

 وفي تلك الأثناء، كانت لينا في عالم آخر، لا تعي من تلك النظرات الحارقة شيئا؛ كانت غارقة في محاولة مضنية لضبط أنفاسها، تسندُ كفها المرتجفة على الأرض الباردة لتستحثَّ جسدها على الوقوف، وتجمعُ ما تبقى في عروقها من رمقٍ لتعتدل.

 لكن سديم انتبه لها فورا، قد ظن أنها ستقف، فانحنى نحوها، ووضع يده على كتفيها بثبات، وأعادها إلى جلستها قبل أن تستقيم تماما، وسألها بصوت خافت، وقد ظهر القلق في ملامحه:

 - إلى أين يا لينا؟ ما زلتِ متعبة.

 رفعت عينيها إليه، وردت بصوت مبحوح:

 - أعلم يا سديم، لم أكن أحاول الوقوف، أردت فقط أن أغيّر جلستي.

 استمر سديم في التحديق بلينا لثوان، وكأنه يحتاجُ وقتا ليستوعب أنها لا تزال بخير، بينما كان صدره يعلو ويهبط بأنفاس متسارعة كشفت عن اضطرابه الذي عجز عن مواراته.

 ومن جهة أخرى سرى في جسد لينا دفءٌ مفاجئ؛ فقد قرأت في عينيه قلقا صريحا، ورأت كيف انكمشت ملامحه خوفا عليها، وكيف ظلَّ ملتصقا بها، متناسيا وجود أي شخص آخر.

ابتسمت، وهدأت روحها، لما أدركت أن خوفه عليها لم يكن مجرد رد فعل عابر، بل كان حقيقة أعمق مما تصورت.

 غمرها يقينٌ لم يساورها من قبل؛ أن هذا الرجل - وإن كان من الجن- هو أهل الثقة وملاذ الأمان، وأدركت أن النبل والشجاعة ليسا حكرا على جنس دون آخر، وأن جوهر الروح أسمى بكثير من الهيئة والشكل، ولم يعد سديم في عينيها مجرد صديق أو حارس وضعه الشيخ، بل بطلا يتجاوز حدود العالمين.

جذبت سارلا 'سديم' بعيدا إلى زاويةٍ أخرى بعد أن أعطت العصا المشتعلة لجارج، كانت أفكارها تضطرب كالأمواج في ليلة شتوية عاصفة؛ فالثقة التي بنتها عبر السنين بدأت تتآكل تحت وطأة الشكوك.

وقفت أمامه، وضيقّت عينيها بمكرٍ، وكأنها تحاول اختراق جدار صمته، ثم سألته بنبرة تقطر تهكما:

 - ألم تكن تستنقص من شأن البشر؟ ماذا حل بك؟ هل ما تفعله خدعة أم ماذا؟

 صمتت للحظة، تراقب ردة فعله في ملامحه الجامدة، قبل أن تواصل وهي تستحضر كلماته القديمة:

 - قلتها بالحرف الواحد، أنك ستأتي ببشريّ، وتأخذ من دمائه، ثم تلقي بجثته الهامدة للغابة؛ لتشفى غليلك من تلك الساحرة التي سحرتك.

 كنتَ تمقتُ عرقهم، وتزدري ضعفهم، فما الذي تبدل الآن يا سديم؟!

 ساد صمتٌ لهنيهة، لم يقطعه سوى حفيف الأشجار، ثم اقتربت منه سارلا خطوة أخرى، وانخفض صوتها ليصبح همسا متوجسا:

 - يبدو أنك تعلقت بهذه البشرية، أو لعل في الأمرِ سرا تخفيه خلف صمتك هذا.

 أخبرني بصدق، وما الذي يربطك حقا بتلك الفتاة؟

 تحاشى سديم النظر إليها، وأشاح بوجهه نحو الأفق، غرق في صمت مرير، ثمة معركة ضارية تدور في عقله، فالوقت ينسل من بين أصابعه، وهذا هو اليوم الأخير؛ الأمل الوحيد يتأرجح الآن كخيط العنكبوت الواهن، بين ترك لينا وأرجاعها لعالمها، أو جرّها أعمق في أحشاء الغابة المظلمة.

 أخيرا، كسر الصمت، وانفرجت الكلمات بصوت خافت:

 - أعرفها، أعرفها جيدا يا سارلا، التقيتُ بها حين ذهبت لعالم البشر لأول مرة، للبحث عن متبرع يمنحني دمه وروحه طواعية لكسر اللعنة، وأعود كما كنت قبل أن ينتهي الوقت، وأبقى بهذا الجسد دائما.

 تنهد بضيق، ثم تابع قائلا:

 - رأيتها هناك، في جامعتها، تعرفت عليها وطلبت منها أن أكون صديقها، لمحاولة جرها بإرادتها لتساعدني.

 حاولتُ في البداية استدراجها، نصبتُ لها شباك الغواية، لكنها كانت تراني صديقا أفكاره مجنونة فحسب، قد تركتها ومضيت، بحثا عن فريسة أخرى.

 تجهّم وجه سارلا إثر اعتراف سديم؛ لقد أدركت الآن عمق المكانة التي تحتلها لينا في قلبه، كانت أعماقها تغلي بغيرة مشتعلة. 

 هي التي أحبته بصدق، وقدمت له قلبها مرتين؛ فكان نصيبها في الأولى مغلفا بالرفض، وفي الثانية الانتظار الذي لم ينته.

 والآن، شعرت أن آمالها تتلاشى بوجود هذه المنافسة، لأنه واضح على سديم أنه لن يضحي بها، وتمنت من أعماق قلبها لو تزهق روح لينا أثناء مراسم استعادة سديم لقوته، وقبل أن تفتح فمها لتنفث سموم غيرتها وتسأله عن مكانة لينا في قلبه، قاطعها سديم وكأنه يكمل رواية مأساته لنفسه:

 - أتعلمين، لقد عدتُ إلى تلك الجامعة لأبحث عنها، وأسألها عن حالها بعد غيابي الطويل، ولكن القدر كان ينسج خيوطا أخرى.

 وجدتُ في طريقي فتاة أخرى، كانت تقف هناك تراقب المارة بعينين يملأهما الحقد، وتتمنى بصوت عال أن ترد الصاع لصديقتها. 

 - مددتُ لها يد المساعدة، وحكنا معا تمثيلية اللبس الجني، بتواطؤ مع الشيخ الذي مهد لها الطريق وأزال من قلبها الريبة، لتدخل الضحية الفخ وهي تظن أنها في مأمن، ولم أكن أعلم أن الضحية هي لينا.

 كانت تلك الهمسات الخافتة المتبادلة بين الصديقين، والانزعاج الجليّ الذي ارتسم على سِحنتيهما، هو ما دفع لينا تسأل نفسها:

 - ماذا يحدث لهما يا ترى؟!

 وما قطعَ رحلة وتساؤلاتِها، وجعل الرعب ينتفض في جسدها، هو ذلك الصوتُ الذي انبعثَ فجأة؛ وقعُ أقدام متسارعةِ الخطى، كأنها وثباتُ أحصنة جامحة، تهرولُ حولهم في حلقة دائرية محكمة.

 اعتراهم الارتباك جميعا، ومالوا برؤوسهم في كلِّ اتجاه يتربصون بالصوت، الذي كان ينتقلُ بغتة من اليمين إلى اليسار.

 ظنَّا سارلا وسديم أنّ القناطرَ قد نفذت إلى الغابة، فبهتت وجوههم من الفزع،

وهتف سديم بجزع:

 - أتمنى ألا تكون القناطر، فمواجهتها وحدنا ومن دون سلاح تعني أننا لن نستطيع التغلب عليهم.

More Chapters