Cherreads

Chapter 2 - الفصل الثاني:حين يتذكّر الصفر اسمه

الفصل الثاني: حين يتذكّر الصفر اسمه

المدينة لم تشعر بشيء. لم ترتجف، لم تتوقف المصابيح، لم تصرخ الجدران. وذلك كان أسوأ ما في الأمر. حين بدأت العجلة بالدوران، لم يسمعها أحد. وكأن القدر يلفظ أنفاسه الأخيرة قبل أن يولد من جديد، وكأن الزمن نفسه توقف ليلتقط أنفاسه قبل أن يبدأ سباقاً لا يعرف نهايته. في الشوارع الخالية، كانت الرياح تعوي كأرواح ثكلى، تبحث عن أجساد كانت لها في زمن مضى. وحيدة كانت المدينة، وحيدة كشخص يصرخ في صحراء بلا صدى.

في شقة ضيقة، في الطابق السابع من مبنى لم يعد أحد يتذكر متى بُني، كان علي أحمد يجلس أمام طاولة خشبية متشققة. أمامه أوراق مبعثرة، رموز، دوائر، وأسهم تعود إلى نفسها كأنها ترسم متاهة بلا مخرج. كان يحدق فيها منذ ساعات. أو أيام. أو ربما منذ زمن أطول من ذلك. الغبار تراكم على كتفيه، على شعره الأسود القصير، على رموشه الطويلة التي كانت ترفرف كلما حاول التركيز أكثر مما يحتمل. الشقة كانت صغيرة، لكنها كانت ممتلئة بالورق، بالكتب، بالخرائط، برسوم بيانية تغطي الجدران من الأرض حتى السقف. وفي الزاوية البعيدة، حيث لا يصل ضوء المصباح الوحيد، كانت هناك لوحة كبيرة مرسوم عليها دائرة لا نهائية، تلتهم ذيلها بشراهة غريبة.

"لا…" قال وهو يضغط على رأسه بكلتا يديه، كأنه يحاول منع جمجمته من الانفجار، كأنه يحاول إمساك أفكاره التي تتناثر كالرمل من بين أصابعه. "هذا ليس صحيحًا… لا يمكن أن أكون قد عدت مرة أخرى." ذاكرته لم تكن مستقيمة. كانت كمرآة مكسورة، كل قطعة تعكس حياة مختلفة، موتًا مختلفًا، قرارًا مختلفًا. في قطعة يرى نفسه طفلاً يركض في حقل قمح مع أبيه الذي مات منذ زمن بعيد. في أخرى يرى نفسه شاباً يقف على قمة جبل، والنسور تحلق حوله كأنه أحدهم. في ثالثة يرى نفسه جثة هامدة في زقاق لا يعرفه، وعيناه مفتوحتان تحدقان في سماء لا ترحم. وفي قطعة رابعة، يرى نفسه كبيراً في السن، ملتحياً، جالساً على كرسي هزاز، وأطفال يلعبون حوله… أطفال لا وجود لهم في أي من حياته التي يتذكرها.

تقدم خطوة نحو النافذة. نظر إلى الشارع. نفس الشارع. نفس البائع الجالس على الرصيف يبيع فولاً لم يشتره أحد منذ ساعات. نفس الطفل الذي يركض خلف كرة ممزقة ثم يتعثر في نفس المكان، في نفس الثانية، وينظر حوله بنفس النظرة الخائفة. نفس المرأة العجوز التي تجر عربة التسوق الفارغة وكأنها تسحب جثة ثقيلة. نفس الكلب الأجرب الذي يبحث في القمامة عن شيء يأكله. كل شيء يتكرر. كل شيء كما كان. حتى الغيمة التي تمر فوق رأسه الآن، مرت من قبل. يتذكر شكلها. يتذكر لونها الرمادي الذي يشبه رماد الجثث المحترقة.

"إنها المرة الخامسة…" تمتم بصوت بالكاد يُسمع، بصوت يشبه حفيف أوراق الخريف الجافة. "أم السادسة؟" لم يعد متأكدًا. الأرقام تتداخل في رأسه. كل مرة يظن أنه أحصاها، تتداخل الأرقام وتتشابك كالثعابين في جحورها. وفي تلك اللحظة بالذات، حيث كان القمر يختبئ خلف غيمة ثقيلة، شعر بشيء يتحرك في عموده الفقري. إحساس قديم، متجذر في نخاع عظامه، يخبره أن هذه المرة مختلفة. هذه المرة… لن تنتهي كالسابقات.

في الجهة الأخرى من المدينة، كان جون ستورد يصعد السلالم بهدوء. لم يستخدم المصعد. لم يكن يحب الآلات التي تتوقف فجأة. كان يثق بقدميه أكثر من أي آلة صنعها البشر. كل خطوة محسوبة بدقة رياضية. كل نفس مضبوط كإيقاع ساعة سويسرية. الليل يتعاون معه، يلفه بعباءته السوداء كحليف قديم. كان يرتدي بدلة سوداء أنيقة، وقفازات بيضاء نقية لا يظهر عليها أي أثر للغبار أو العرق. على وجهه ابتسامة خفيفة، ابتسامة لا تعني شيئًا، مجرد عضلات تتحرك بفعل عادة قديمة.

وصل إلى الطابق السابع. توقف أمام الباب الخشبي القديم. على الباب، رقم مكتوب بخط يدوي: ٧١٣. كان الرقم مائلاً قليلاً، كأن الذي كتبه كان في عجلة من أمره، أو كأن يده كانت ترتجف. رفع يده، وفيها مسدس كاتم للصوت، أسود لامع كعين ثعبان في الظلام. ثم همس عبر جهاز صغير في أذنه، جهاز بالكاد يُرى، بالكاد يُلاحظ: "الهدف في الأعلى." تأخر الرد لحظة. ثم جاء الصوت باردًا كجثة في ثلاجة، صوت لا يحمل أي نبرة إنسانية: "لا أخطاء. الرئيس يراقب." ابتسم جون. ابتسامة خالية من الفرح، خالية من الحياة، كأنها رسمت على وجه تمثال. "دائمًا يراقب." قالها بهدوء، ثم وضع إصبعه على الجرس.

في مكان لا يُسجَّل على أي خريطة، في عمق الأرض، تحت سبعة طوابق من الخرسانة المسلحة والمعادن النادرة، كانت قاعة واسعة تغرق في الظلال. الأرقام مصطفّة كأشباح في ليلة رأس السنة. واحد، اثنان، ثلاثة، أربعة، خمسة، ستة، سبعة، ثمانية، تسعة… كلهم واقفون في أماكنهم، كل واحد منهم يعرف مكانه بالضبط. لكن شيئًا ما كان ناقصًا. فراغ في المكان، فراغ في العيون، فراغ في الهواء نفسه. كان هناك مكان مخصص لشخص ما، لكنه فارغ. ليس مجرد فارغ، بل فارغ بطريقة مقصودة، كأن الوجود نفسه يبتعد عن ذلك المكان خوفًا أو احترامًا.

"بدأ التحرك." قال الرقم أربعة، وصوته يتردد في القاعة كصدى في قبر. كان رجلاً ضخم الجثة، بذراعين كجذوع الشجر، وعينين صغيرتين تلمعان كعينيّ خنزير بري. على ساعده وشم يقرأ: "مرساة الحكم". "هذا أسرع من المتوقع." قال الرقم ستة، وعيناه تلمعان بقلق لا يشبهه. كان امرأة نحيفة، ذات وجه طويل وشعر أشقر مصبوغ، ترتدي ملابس ضيقة سوداء. "لأن زيرو بدأ يتذكر." قال الرقم واحد. جيمي كوستراف. الشبح الأبيض. الوحيد الذي يعرف الحقيقة كاملة. وقف هناك، في مقدمة الصف، وعيناه الزرقاوان الباردتان تحدقان في الفراغ، في ذلك المكان الخالي حيث لا يوجد كرسي ولا ظل ولا شيء.

ساد الصمت. صمت ثقيل، كثيف، كأن الهواء تحول إلى ماء. حتى أنفاسهم توقفت، كأنهم جميعًا نسوا كيف يتنفسون. "هل هذا مؤكد؟" سأل الرقم تسعة، وصوته يرتجف رغم محاولاته السيطرة عليه. كان أصغرهم سنًا، رباه في السادسة عشرة، بوجه طفولي لم تكتمل ملامحه بعد، وعينين واسعتين تحملان براءة لا تليق بهذا المكان. لم يجب الرقم واحد مباشرة. حدّق في الفراغ أمامه، في ذلك المكان الخالي، ثم قال بصوت منخفض، بصوت يشبه خرير الماء البعيد: "حين يبدأ الصفر بالتذكر… لا يعود العالم كما كان."

وفي زاوية القاعة، حيث لا تصل الإضاءة، كان هناك فراغ. ليس فراغًا عاديًا، بل فراغًا يشعر به كل من في القاعة. كان هناك غياب مقصود. فراغًا يصرخ بوجوده. كلهم كانوا يشعرون به، لكن لا أحد يجرؤ على النظر إليه. كانوا يعرفون أن هناك شيئًا ما هناك، شيئًا لا تدركه العين، لكن الروح تلمسه كالريش الخفيف على الجلد. ومن ذلك الغياب، من ذلك العدم المكثف، فُتحت عينان. واحدة حمراء كالمرجان الدموي. والأخرى زرقاء كسماء صافية في يوم ربيعي. عينان لا تنتميان لهذا العالم. عينان رأتا كل شيء، وشهدتا كل شيء، وحكمتا على كل شيء.

"ما زلتم ترتكبون نفس الخطأ." قال الصوت. صوت لا يشبه الأصوات. كأنه يأتي من داخل الرؤوس، لا من خارجها. كأنه يولد في اللحظة التي تفكر فيها، لا في اللحظة التي تسمعها فيها. "تظنون أنني أتحرك حين أظهر." ارتجفت القاعة. حرفيًا. الجدران تمايلت، الأرض تحت الأقدام تشققت لثوانٍ، ثم عادت كما كانت. تنهدت القاعة ككائن حي، ثم سكنت. "نحن فقط ننفذ النظام." قال الرقم اثنان بصوت منخفض، منكسر، كطفل يعتذر لأبيه. كان رجلاً مسنًا، بوجه متجعد ولحية بيضاء طويلة، يرتدي ثيابًا بيضاء كالكفن. ضحك الصوت. ضحكة قصيرة، حزينة، مريرة كالعسل المسموم. "النظام؟" توقف لحظة. ثم قال بصوت أعمق، أثقل، كأن الكلمات تخرج من بئر لا قرار لها: "أنا من كتبه."

في الشقة، رنّ الجرس. تجمد علي أحمد في مكانه. الزمن توقف. الهواء تجمد. قلبه… لا يدري إن كان سينبض مرة أخرى أم لا. سمع دقات قلبه تدق في أذنيه كالمطارق الثقيلة. دق... دق... دق... "لا…" همس. "ليس الآن." رنّ الجرس مرة أخرى. أطول هذه المرة. أكثر إلحاحًا. شعر بشيء يتحرك في صدره. ليس خوفًا. لا، هو لا يخاف من الموت. لقد مات مرات أكثر مما يعترف به لنفسه. في كل مرة كان الموت يأتي بشكل مختلف: مرة بالسكين، مرة بالرصاص، مرة بالسم، مرة بحريق، مرة بغرق. بل معرفة قديمة. معرفة متجذرة في روحه قبل جسده. معرفة أن هذه المرة ستكون مختلفة. "هذه المرة…" قال وهو يتجه نحو الباب بخطوات بطيئة، ثقيلة، كمن يمشي في الوحل. "هذه المرة مختلفة."

فتح الباب. كان جون ستورد واقفًا هناك، هادئًا، مهذبًا، بدلته السوداء مرتبة، وشعره المصبوغ باللون الفضي يلمع تحت ضوء المصباح المتهالك في الممر. وعيناه تلمعان بلذة الصياد الذي حاصر فريسته أخيرًا. "مساء الخير." قال جون بصوت ناعم، مخملي، كأنه يبيع بضاعة في متجر فاخر. "جئت بخصوص أبحاثك." نظر علي أحمد إلى عينيه. في تلك اللحظة، لم يرَ قاتلاً. لم يرَ عدوًا. رأى مجرد أداة. دمية في لعبة أكبر منه. رأى خيوطًا غير مرئية تتحكم في يديه وقدميه ورأسه. رأى وجهًا لا يعرف شيئًا، لا يفهم شيئًا، لا يدرك أنه مجرد قطعة شطرنج على رقعة لا يراها. فابتسم. ابتسامة خفيفة، بالكاد حركت شفتيه. "تعال." قال بهدوء. "كنت في انتظارك." لحظة ارتباك خاطفة في عيني جون. هذا ليس ما حدث في المرات السابقة. هذا ليس ما أُبلغ به. هذا ليس ما خطط له. لكنه دخل. والباب أغلق خلفه بصوت خفيف، كأنه آخر صوت سيسمعه العالم قبل أن ينتهي.

في أعلى المبنى، تحت القمر نفسه، حيث كانت الرياح تعصف بقوة، وقف زيرو. لم يعد يغني. لم يعد يتمتم. كان صامتًا. صمتًا كصمت القبور. صمتًا كصمت الفضاء الخارجي. وشعره الأسود القصير تلاعبت به الريح، وعيناه الغريبتان، إحداهما حمراء كالنار، والأخرى سوداء كالظلام، تنظران إلى المدينة من الأعلى… كما لو أنه رآها تحترق من قبل. آلاف المرات. رأى المباني تتهاوى. رأى الجثث تملأ الشوارع. رأى النار تأكل كل شيء. ورأى نفس اليد التي تشعل النار… تعود لتبني من جديد. رأى دورات لا تنتهي من الموت والبعاد والدمار والبناء. رأى البشر يركضون في دوائر مغلقة، يظنون أنهم يتقدمون بينما هم يدورون في نفس المكان.

"مرة أخرى…" قال بهدوء. "يحاولون تصحيح شيء لم ينكسر." رفع يده ببطء نحو السماء. في راحته، رسم غير مرئي، خريطة لا يراها إلا هو. خطوط تتشابك وتتقاطع، نقاط تضيء وتنطفئ، دوائر تتسع وتضيق. "المشكلة ليست في المتراجعين…" توقف. ثم أتم: "بل في من يسمح لهم بالعودة." ابتسم. ابتسامة طفولية، بريئة… لكنها تحمل في طياتها ما لا تستطيع الابتسامات حمله. كانت ابتسامة من رأى النهاية قبل أن تبدأ. ابتسامة من يعرف السر الذي لا يعرفه أحد. "وأنا…" قال. "كنت أول من عاد."

وفي تلك اللحظة، تحت القمر نفسه، وفي الزقاق نفسه حيث قتل إدوارد قبل ساعات فقط، حيث كانت جثته لا تزال دافئة، وحيث الدم لم يجف بعد على الأرض الترابية، بدأ حجر بنفسجي صغير يتوهج فجأة. توهج خافت في البداية، كأنه يختبر العالم، كأنه يتأكد من أنه وحده. ثم توهج أقوى، ثم أقوى، حتى أصبح كنجمة صغيرة سقطت من السماء واستقرت بين القمامة والدم. كان الحجر يرتجف، ينتفض، كأن شيئًا ما بداخله يحاول الخروج. كان يرسل نبضات، إشارات، رسائل إلى مكان ما، إلى زمان ما، إلى شخص ما.

وفي أعماق الظلال، حيث لا يجرؤ الضوء على الاقتراب، حيث لا توجد جدران ولا أرض ولا سقف، حيث كل شيء ممكن وكل شيء مستحيل في نفس الوقت، ابتسم الرقم صفر. ابتسامة لم يرها أحد. لم يشعر بها أحد. لكنها كانت هناك، موجودة كوجود الظل قبل أن يخلق الضوء. "اقتربت اللعبة من بدايتها الحقيقية." همس. ثم أطفأ عينيه. واحدة حمراء. والأخرى زرقاء. واختفى. أو لم يختفِ. من يدري؟ في هذا العالم، الاختفاء والظهور وجهان لعملة واحدة.

بعيدًا، بعيدًا جدًا، في مكان لا يمكن لأحد الوصول إليه، في مكان خارج الزمان والمكان، خارج الماضي والمستقبل، كان هناك كتاب. كتاب ضخم، قديم، غلافه من جلد لا يشبه جلد أي حيوان معروف. عنوانه مكتوب بحروف ذهبية تتوهج بذاتها: "الأرقام الاثنا عشر". صفحته مفتوحة على الفصل الثاني. وفوق الكلمات، فوق السطور، فوق الحروف، كانت هناك قطرة دم. قطرة حمراء، طازجة، لامعة، لم تكن موجودة قبل لحظة. لكنها الآن هناك. تقطر ببطء… قطرة… أخرى… وكأن أحدًا يقرأ من فوق، وينزف فوق ما يقرأ. وكأن القارئ نفسه أصبح جزءًا من القصة. وكأن الدماء التي تسيل الآن هي دماء من يقرأ هذه السطور. توقف للحظة. انظر إلى أصابعك. هل هناك دم؟ لا تقلق. ربما ليس الآن. لكن تذكر: كلما اقتربت من الحقيقة، كلما اقتربت من النهاية، كلما اقتربت من البداية. وكل صفحة تطويها، تقربك خطوة من ذلك الكتاب. ذلك الكتاب الذي يقرؤك الآن. بانتظار أن تصل. بانتظار أن تعرف. بانتظار أن تنزف مثله.

نهاية الفصل الثاني.

More Chapters