Cherreads

Chapter 4 - الفصل الرابع: اللقاء الذي لم يحدث رسميًا

الفصل الرابع: اللقاء الذي لم يحدث رسميًا

لم يُسجَّل هذا اللقاء. لم يُكتب في الأرشيف. ولم تعترف به المنظمة يومًا. ومع ذلك… كان السبب في كل ما تلاه. في مكان ما بين الظلال، حيث لا يصل الضوء ولا تصل الأسئلة، حيث الزمن لا يمشي بل يزحف على بطنه كجريح يحاول النجاة، كان هناك خمسة كيانات لا تشبه البشر. لا ملامح لهم، لا وجوه، لا هوية. فقط وجود ثقيل، كثيف، يملأ الفراغ بطريقة تجعلك تشعر أن الهواء نفسه يخاف من الاقتراب منهم.

صاحب الساعة المعكوسة كان أول من نطق. في يده ساعة عقاربها تدور إلى الخلف، كأنها تستعصي على الزمن نفسه، كأنها تذكر الجميع أن ما مضى لم يمضِ بعد. قال بصوت عميق، خافت، يشبه خرير الماء البعيد: "أنا.. السيد أرسلنا لاستعادة ذلك الأحمق."

الذي بلا ظل التفت إليه بسخرية. كان يقف وكأن الضوء يمر من خلاله دون أن يعترضه، دون أن يترك أي أثر. ضحك ضحكة جافة، خالية من الدفء: "أي واحد منهما؟ فكلاهما أحمقان.. أحدهما رغم أنه مجرد بيدق يتصرف كفارس، والآخر يظن نفسه محرك الأحجار على الرقعة وإنما هو مجرد بيدق مكسور بلا قيمة، فأيهما تقصد؟"

صاحب الساعة لم يتردد: "أقصد من يظن نفسه فارساً وهو مجرد بيدق لا قيمة له." جون ستورد. ذلك القاتل المهذب، ذو البدلة السوداء الأنيقة والقفازات البيضاء النقية. ذلك الذي دخل شقة علي أحمد قبل ساعات، واختفى معه في لحظة الظلام.

صاحب العينين المغمضتين رفع رأسه. عيناه كانتا مغلقتين، لكن الكل شعر بأنه يراهم أفضل من أي مبصر. قال بصوت ناعم، هادئ، كنسيم الصباح: "إذن نحن هنا لاستعادة بيدق لا قيمة له؟"

المبتسم دائماً لم يتوقف عن الابتسام. ابتسامة مرسومة على وجه لا يتحرك، كأنها جزء من خلقه، كأنها لا تعبر عن شيء سوى أنها موجودة. قال بصوت خفيف، مرح تقريبًا: "وهل تشك في قرارات السيد؟ أنت تعرف أن هذا البيدق الغبي هو من أكثر بيادقه ولاءً للمنظمة.. والسيد ما زال يحتاجه، فمن غيره سينظف الفوضى ويقوم بالأعمال القذرة؟"

المحدق في الفراغ كان آخرهم. كان ينظر إلى لا شيء، إلى فراغ مطلق، إلى حيث لا يوجد شيء. لكن نظراته كانت الأثقل، الأكثر قدرة على شق الصدور. قال بصوت حاد كالسيف، كالجرس المعدني الذي يقرع في لحظة خطر: "إن أنهيتم كلامكم، فباشروا عملكم.. السيد صبره محدود، وأنا لا أريد رؤيته إن نفذ صبره."

ما إن نطق بهذه الكلمات، حتى تغيرت تعابير الجميع. تلك الوجوه التي لا ملامح لها أصبحت أكثر جمودًا. ذلك الوجود الثقيل أصبح أثقل. وساد صمت أثقل من الجبال، أثقل من كل ما حملته الأرض منذ خُلقت.

---

الرقم واحد كان وحده. ليس وحده بمعنى الفراغ، بل وحده بمعنى أن كل شيء آخر اختار الابتعاد. جيمي كوستراف. الشبح الأبيض. الرقم واحد. الرجل الذي يظن الجميع أنه الأقوى، رغم أنه يعرف الحقيقة. رغم أنه يعرف من يقف خلف الستار. القاعة كانت صامتة على غير عادتها. الأرقام لم تُستدعَ. الظلال لم تتحرك. حتى النظام… لم يُصدر تنبيهًا.

وفجأة، وكأن الكون قرر أن يغير مساره، ظهر خمسة كيانات من العدم. لا ملامح لهم، لكن وجودهم كان كافيًا لجعل الهواء يتجمد. وقفوا أمام الرقم واحد في صف واحد، مهيبين، صامتين للحظة قبل أن يتحركوا. وبحركة مهيبة، انحنوا جميعًا في انحناءة طويلة تليق بالملوك. انحناءة لم تكن للرقم واحد فقط، بل للمكانة التي يمثلها، للرقم الذي يحمله، للظل الذي يختبئ خلفه.

الكيان الأول رفع رأسه ببطء وقال بصوت منخفض ومحمل بالوقار، بصوت يشبه صوت الكهوف القديمة: "اعذر تطفلنا يا سيدي العظيم.. يا من تقف على قمة الأرقام. نحن هنا لننفذ مشيئتك التي هي جزء من مشيئة أكبر لا ندركها نحن."

ابتسم جيمي. ابتسامة زهو، اعتزاز، لأول مرة منذ زمن طويل شعر أن رتبته "واحد" لها وزن حقيقي أمام هذه القوى التي لا يعرف كنهها. شعر أن الرقم على قفازه ليس مجرد حبر، بل هو قدر. سألهم بصوته الأكثر ثقة: "هل استعدتم البيدق المفقود؟"

الكيان الثاني، الذي بلا ظل، تقدم خطوة صغيرة وقال بنبرة هادئة ومحترمة جدًا، خالية من السخرية التي كان يظهرها قبل لحظات: "بكل تأكيد يا سيدي.. فقد أرسلنا لاستعادة ذلك 'الفارس' الوفي." يقصد جون ستورد، البيدق الذي يظن نفسه فارسًا، الأداة المطيعة، القاتل المهذب. توقف لحظة ثم أكمل: "فمن غيره يملك ولاءً كالذي يملكه لمنظمتك العظيمة؟"

شعر جيمي بالدفء يسري في عروقه. ولاء. كلمة جميلة. قال: "جيد.. وماذا عن ذلك الصبي؟ علي أحمد؟"

الكيان الثالث، صاحب العينين المغمضتين، تقدم بأدب جم، بخشوع حتى، وقال بصوته الناعم الذي يشبه القطيفة: "أيها السيد الرقم واحد.. هل تأذن لنا بسؤال فلسفي بسيط؟ هل تعرف ما الذي يسبق الصفر؟"

ارتبك جيمي للحظة. سؤال غريب، غير متوقع. لكن ثقته بنفسه كانت عالية، فأجاب بسرعة: "لا شيء يسبقه."

ابتسم الكيان الثالث. ابتسامة لم تُرَ، لكنها شعرت. قال: "بالضبط يا سيدي.. تمامًا كما لا يسبق وجودك أحد في هذه المنظمة." توقف للحظة، ثم تابع بصوته الناعم: "لكن، ألا ترى أن الصفر هو الحاوية لكل ما نفعله؟ هو الفراغ البسيط الذي يسمح للأرقام مثلك بأن تتحرك بين الواحد والاثنين.. وفي ذلك الفراغ، يقبع الصفر وينتظر بهدوء ليبتلع كل شيء في النهاية."

جيمي نظر إليه. كلماته كانت غامضة، لكنها أشعرته بشيء… شيء لا يستطيع تفسيره. قال بزهو لم يفهم مصدره تمامًا: "وما المغزى من هذا التبجيل للأرقام؟"

الكيان الرابع، المبتسم دائماً، تقدم بابتسامته الأبدية وقال: "المغزى يا سيدي هو الاحترام.. الاحترام للبداية والنهاية. الصفر كان شاهداً، وما قبله كان له كاتب، وما بعده كان له مصمم.. ونحن هنا لنضمن أن تظل أنت 'الرقم واحد' في مكانه.. إلى أن يحين وقت الصفر." ثم ضحك. هاهاهاها. ضحكة غريبة، باردة، كأنها تخرج من قبر.

ثم اختفوا. كما ظهروا. فجأة. بدون مقدمات. بدون وداع. فقط فراغ حيث كانوا.

---

بقي جيمي وحده. أو هكذا ظن.

"أعلم أنك هنا." قال الرقم واحد بهدوء، وهو ينظر إلى الفراغ أمامه. لم يحدث شيء. لا حركة، لا صوت، لا إشارة. "إن كنت قد جئت لتذكيري بخطئي…" أضاف. "فأنت متأخر."

صمت طويل. ثم من أعماق الظلال، من حيث لا يمكن لأحد أن يتوقع، خرج صوت. ليس كالأصوات التي سمعها من قبل. ليس كالكيانات الخمسة. صوت مختلف. أقدم. أثقل. كأنه يأتي من بئر لا قرار لها.

"لا." قال الصوت. "جئت لأتأكد أنك ما زلت ترتكبه."

تجمد الهواء. تجمد جيمي في مكانه. تجمدت دقات قلبه لثانية. عرف هذا الصوت. عرفه من أعماق روحه. عرفه من تلك الليلة البعيدة، تلك الليلة التي انحنى فيها أمام الظلال باكيًا.

ومن الفراغ… تكوّن ظل. ليس ظلاً عادياً. ظل كثيف، أسود، يمتص الضوء وكأنه جوعان لا يشبع. ثم ملامح. وجه يخرج من الظلام كالقمر يخرج من وراء الغيوم، لكنه ليس قمراً منيراً، بل قمراً بارداً، بعيداً، لا يدفئ أحداً. ثم عينان. واحدة حمراء. والأخرى زرقاء.

"أنت…" همس الرقم واحد. صوته ارتعش. لم يعد جيمي كوستراف، الشبح الأبيض، الرقم واحد. أصبح طفلاً صغيراً أمام تلك العينين. "الرقم…"

"لا تنطق به." قال الصوت ببرود. "ليس الآن."

وقف الرقم صفر أمامه. ذلك الكيان المختبئ خلف الظلال. ذلك الذي يعرف جيمي أنه أقوى منه بمراحل. ذلك الذي شهد إمبراطورية التنانين السماوية وهي تركع تحت قدميه. كان هناك، في جسد واحد، بعينيه الغريبتين، بملامحه الباردة التي لا تعرف المشاعر.

"لماذا أنت هنا؟" سأل جيمي بصوت بالكاد يُسمع.

"لأنك أخطأت." قال الرقم صفر. "والخطأ هذه المرة… مختلف."

"أنا فقط نفذت النظام." حاول جيمي تبرير نفسه. "النظام الذي كتبته أنت."

ضحك الرقم صفر. ضحكة قصيرة، حزينة، مريرة. "النظام يتغير. واللعبة تطورت. وأنت ما زلت تلعب بالقواعد القديمة."

نظر إلى جيمي بعينيه الغريبتين. تلك العين التي تخترق الروح. وتلك التي تخترق الظلام.

"كم متراجعًا قتلت هذا العام؟" سأل.

سكت جيمي. لم يجب. لا يستطيع.

"999؟" سأل الرقم صفر. "أم أنك فقدت العد؟"

"كانوا خطرًا." قال جيمي أخيرًا، وكلماته تخرج بصعوبة. "يعبثون بالزمن. يفسدون الاستمرارية."

"الاستمرارية؟" كرر الرقم صفر. "الاستمرارية كُسرت في اليوم الذي قررت فيه أن تتحكم بالنتيجة بدل أن تراقبها."

ظهر وميض. صور متداخلة بدأت تتدفق في الهواء. صور من الماضي. جيمي… أصغر سنًا. شعره لم يكن أبيض بعد. وجهه لم يكن متجمدًا بعد. المنظمة… لم تكن موجودة بعد. عالم يحترق. نيران تلتهم كل شيء. صرخات تملأ الفضاء. وصوت يقول: «لا تتدخل.»

أغلق جيمي عينيه. لا يريد أن يرى. لا يريد أن يتذكر.

"لم يكن لدي خيار." قال. صوته مشقوق، مكسور. "لو تركتهم… لانتهى كل شيء."

"انتهى أي شيء؟" سأل الرقم صفر. "العالم؟ أم سلطتك عليه؟"

فتح جيمي عينيه. كانتا دامعتين. نعم، الشبح الأبيض يبكي. قال بنبرة لم يستخدمها من قبل: "أنت تركتني وحدي. اختفيت. ووضعت الحمل عليّ."

نظر إليه الرقم صفر طويلاً. نظر إلى هذا الرجل الذي قتل 999 متراجعًا. هذا الرجل الذي أدار المنظمة لسنوات. هذا الرجل الذي يخاف منه الجميع. ثم… تغيرت نظرته. لم تكن قاسية. ولا ساخرة. كانت… متعبة. متعبة كمن حمل جبالاً ثم أدرك أنه كان يحمل هواء.

"لهذا عدت." قال الرقم صفر. "لأنك لم تكن يومًا مؤهلًا لتحمل العبء وحدك."

ساد الصمت. صمت طويل، ثقيل، كأن العالم توقف عن التنفس.

"المتراجع الذي اختفى اليوم…" قال جيمي أخيرًا. "هل كان مقصودًا؟"

"نعم." أجاب الرقم صفر فورًا. بدون تردد.

"ولماذا لم تمنع موته؟" سأل جيمي.

ابتسم الرقم صفر ابتسامة خفيفة. ابتسامة من يعرف سرًا لا يعرفه الآخرون. "لأنه…" قال. "لم يمت."

اتسعت عينا جيمي. صدمة حقيقية. خالصة. "مستحيل."

"قلتَها من قبل." قال الرقم صفر. "وتكرر الخطأ."

استدار الرقم صفر مبتعدًا. خطواته باتجاه الظلال. جسده بدأ يذوب في العتمة.

"اللعبة تغيرت." قال وهو يختفي تدريجيًا. "وأنت… ما زلت تلعب بالقواعد القديمة."

وقبل أن يختفي تمامًا، قبل أن يبتلعه الظلام نهائيًا، قال الجملة التي حُفرت في عقل جيمي، التي ستبقى معه ليل نهار:

"احذر يا واحد… ليس كل من يعود… متراجع."

حين عاد الصوت إلى القاعة، حين عاد الهواء للتدفق، كانت القاعة فارغة. لا أثر لأحد. فقط جيمي واقف وحيدًا. لكن على قفازه الأبيض… بدأ الرقم 1 يتشقق. خط رفيع يظهر على الحبر الفضي. شق صغير يذكر بأن كل شيء يمكن أن ينكسر.

نظر جيمي إلى يده. إلى الرقم المتشقق. ثم رفع عينيه نحو الفراغ.

"ماذا يحدث بحقك؟" همس. "ما الذي خططت له هذه المرة؟"

لم يجب أحد. لكن في أعماق الظلال، كان هناك شيء يتحرك. شيء ينتظر. شيء يعرف أن اللعبة الحقيقية لم تبدأ بعد.

وفي مكان بعيد، بعيد جدًا، في زقاق مظلم من أزقة المدينة التي ابتلعت أحلام الفقراء، حيث كانت رائحة العفن والموت تتشابك مع صرير الفئران، فتح شخصٌ ما عينيه.

عينان زرقاوان كسماء صافية.

إدوارد أيتن هايم تنفس بعمق.

للمرة الألف.

More Chapters