Cherreads

Chapter 5 - الفصل الخامس: من مات ولم يمت

الفصل الخامس: من مات ولم يمت

المدينة لا تعرف النوم. الزقاق لم يتغير. والقمر ما زال يعلو السماء كما لو أنه شاهد على كل الخيانات والقتل، لكنه صامت. صامت كشاهد لا يملك حق الشهادة، كحاضر لا يملك حق التدخل. تحت ضوئه الفضي، كانت الظلال تطول وتقصر، تتحرك وكأن لها إرادة خاصة، وكأنها تنتظر شيئًا لا يعرفه البشر.

في المبنى المهجور، حيث الطوابق تتساقط صدى خطوات الماضين، حيث الجدران المتشققة تحتفظ بأسرار من ماتوا ومن قتلوا ومن اختفوا، كان هناك فراغ. ليس فراغًا عاديًا، بل فراغًا مكثفًا، كأن شيئًا ما كان هناك ثم اختفى تاركًا أثره فقط. وفي أعماق ذلك الفراغ، كان هناك صوت بالكاد يُسمع:

"لقد عدت." تمتم الصوت. صوت لا يشبه الأصوات. صوت يأتي من الداخل قبل أن يأتي من الخارج. "بعد ألف مرة لم يمت أحد… واليوم… سيعرف الجميع أن الموت مجرد وهم."

لم يكن هناك أحد. فقط الظلال تتمايل، والرياح تعوي، والصوت يتردد في العتمة. من كان المتحدث؟ لا أحد يعلم. ربما كان مجرد وهم، ربما كانت الرياح، ربما كان شيئًا آخر لا يمكن تفسيره.

---

في نفس الوقت، في الطابق الأرضي، كان الرقم واحد يراقب القاعة. جيمي كوستراف. الشبح الأبيض. الرجل الذي قتل 999 متراجعًا. الرجل الذي ظن أنه يحمي الاستمرارية. كان واقفًا وحده، لا أرقام أخرى معه، لا أجهزة مراقبة، لا حراس، لا شيء. فقط هو والرياح التي تسللت من النافذة المكسورة، تعوي كالأرواح المعذبة.

"هذا مستحيل." قال الرقم واحد. صوته كان مشقوقًا، متعبًا، كمن لم ينم منذ أيام. "لقد تأكدتُ مليون مرة… كل من عاد، عاد ميتًا."

ضحك الصوت. ضحكة قصيرة، وكأنها قادمة من أعماق الجحيم، من حيث لا يصل الضوء ولا تصل الرحمة. ضحكة جعلت جسده يقشعر، جعلت دمه يتجمد في عروقه.

"وأنت…" قال الصوت. "ما زلت تحاول منع حدوث ما لا يمكن منعه."

لم يظهر أحد. كان الصوت يأتي من الظلال، من الزوايا المظلمة، من حيث لا يمكن تحديد مصدره. لكن جيمي عرفه. عرفه من أعماق روحه.

"الرقم صفر…" همس. "أنت هنا…"

"كنت دائمًا تظن نفسك حاكمًا للعبة." قال الصوت بصوت هادئ، مخيف في هدوئه. "لكنك مجرد قطعة على رقعة أكبر."

نظر جيمي حوله بجنون. لم يرَ أحدًا. لكنه شعر بثقل النظرة. بتلك العيون التي تخترق الروح. الحمراء والزرقاء. كان يعرف أن الرقم صفر يراقبه من مكان ما، من بين الظلال، من حيث لا يمكن رؤيته.

"المتراجع الذي عاد اليوم…" همس جيمي. "إدوارد… هل هو من خططت له؟"

صمت طويل. ثم جاء الصوت من كل مكان: "كل شيء مخطط له. حتى ما تظنه خطأ. اسأل نفسك يا جيمي… من يعود حقًا؟ ومن يظن فقط أنه عاد؟"

ثم اختفى الصوت. كما جاء. كأنه لم يكن موجودًا. تاركًا جيمي وحده مع أسئلته وارتجافه. لكن السؤال بقي معلقًا في الهواء: من يعود حقًا؟

---

في الزقاق المظلم، حيث كانت النار تتراقص على جثث متفحمة وبقايا قمامة، حيث رائحة الموت تتشابك مع رائحة الاحتراق، كان هناك شاب يجلس على الأرض. شعر أصفر طويل متسخ بالغبار. عيون زرقاء واسعة تحدق في الفراغ. وجه جميل كأنه لوحة فنية، لكنه يحمل نظرة من رأى الموت وعاد.

يتحدث مع نفسه. كلمات متقطعة، مشوشة، كمن يحاول فهم ما حدث.

"مرحبًا… أنا إدوارد… مرة أخرى…" قال بصوت متهدج. "لقد عدت… ولم أعد ميتًا…"

رفع يده أمام وجهه. نظر إليها. حرك أصابعه. كان الجسد يعمل. كان الجسد حيًا.

"كل شيء كما كان…" تمتم. "لكن ليس كما يجب."

نظر حوله. إلى الزقاق نفسه. إلى القمامة نفسها. إلى المكان الذي قتل فيه قبل ساعات فقط. كان الدم لا يزال على الأرض. دمه هو. لكن جسده كان سليمًا، كأن شيئًا لم يحدث.

"999 مرة قتلت…" قال. "وفي كل مرة كنت أعود إلى الماضي. لكن هذه المرة… هذه المرة أنا هنا. في نفس الزمن. في نفس المكان."

نهض ببطء. كانت ساقاه ترتجفان. ليس من الضعف، بل من الإدراك. من الفهم المرعب أن قوانين الزمن التي ظن أنه يعرفها قد كُسرت.

"التكرار لا محسوب…" همس. "هل هذه هي المرة الألف؟ أم أن العد بدأ من جديد؟"

وفي الظلام، على بعد خطوات قليلة، كان هناك شيء يتوهج. حجر صغير بلون بنفسجي، يتلألأ بضوء خافت كأنه ينتظره. نفس الحجر. حجر العنصر الفراغي. الذي قتل من أجله. الذي عاد من أجله.

مد إدوارد يده نحوه. لكنه توقف. للحظة، تراجع. شعر أن لمس هذا الحجر هذه المرة قد يعني شيئًا مختلفًا. قد يعني نهاية مختلفة. لكنه لمسه.

وفي اللحظة التي لامست فيها أنامله الحجر، شعر بشيء يجتاح جسده. قوة هائلة. معرفة لا نهائية. صور متداخلة من الماضي والمستقبل. رأى نفسه يقف على قمة جبل من الجماجم. رأى نفسه يحكم إمبراطورية. رأى نفسه يموت آلاف المرات. ورأى… وجهًا. عينان. واحدة حمراء. والأخرى زرقاء. لكن الوجه كان غائمًا، غير واضح، كأنه يرى من خلال ضباب كثيف.

"أنت…" همس إدوارد. شعر بتلك العيون تخترقه، تراه، تعرفه. لكنه لم يستطع تمييز صاحبها. هل هو الرقم صفر؟ أم شخص آخر؟ أم مجرد وهم خلقه الحجر؟

وفي مكان ما في الظلال، كان هناك من يراقب. لكنه لم يظهر. لم يتكلم. فقط راقب. ظل طويل يمتد على الجدار خلف إدوارد، ظل لا يتبع أي جسد مرئي.

---

في الطابق الأرضي من المبنى المهجور، كان الرقم واحد يتنفس بصعوبة. العرق يسيل من جبينه، يتقطر على الأرض الترابية. القفاز الأبيض على يده بدأ يتشقق أكثر. الشقوق تتمدد، تكبر، تهدد بتمزيق القفاز بالكامل.

"ماذا… تريد؟" سأل بصوت بالكاد يُسمع. كان يعلم أن الرقم صفر لا يزال هناك، في مكان ما، يراقب. "من عاد؟ من لم يكن مفترضًا أن يعود؟"

صمت طويل. ثم جاء الصوت من كل مكان، من العدم، من الظلال، من أعماق روحه.

"أريد فقط… أن يعرف كل شيء… أن يدرك كل واحد… أن اللعبة لم تبدأ بعد."

فتح جيمي عينيه. كان يعرف الآن. كان يعرف أن ما حدث لإدوارد ليس صدفة. أن ما حدث لجون وعلي أحمد ليس خطأ. أن كل شيء كان مقصودًا. أن الرقم صفر كان يحرك الخيوط من البداية.

"لكن لماذا؟" سأل. "لماذا كل هذا؟ لماذا تخلق أعداءً ثم تدمرهم؟ لماذا تبني منظمات ثم تحرقها؟ لماذا تعيد نفس المتراجع ألف مرة؟"

جاء الصوت من خلفه هذه المرة. أقرب. أكثر وضوحًا: "لأن العالم معطوب يا جيمي. لأن الإمبراطورية الأولى كانت مثالية. لأنني أريد إعادة ضبط كل شيء. وإعادة الضبط تحتاج إلى… أدوات."

لم يجرؤ جيمي على الالتفات. كان يعلم أنه إذا التفت، قد يرى ما لا يقدر على رؤيته.

"أدوات؟" كرر جيمي بصوت مرتعش. "إدوارد أداة؟ وأنا؟ أنا أيضًا أداة؟"

توقف الصوت للحظة. ثم قال بنبرة مختلفة، أكثر غموضًا: "أنت أكثر من أداة. أنت… ذاكرة. أنت الشاهد الوحيد على ما كان. ولهذا أنت خائف. لأنك تعرف أن النهاية قريبة. لكن هل تساءلت يومًا… من يشهد على الشاهد؟"

ثم اختفى الصوت. للمرة الأخيرة في هذه الليلة. تاركًا جيمي مع سؤال جديد: من يشهد على الشاهد؟

---

المدينة لم تتحرك. الزقاق لم يغير رائحته. القمر بقي في مكانه. لكن في كل زاوية، وفي كل ظل، بدأ الناس يشعرون بشيء غريب. كأن الهواء أثقل. كأن الزمن أبطأ. كأن هناك من يراقب. وفي كل مكان، كانت هناك أسئلة بلا إجابات.

في الزقاق، كان إدوارد يقف والحجر البنفسجي في يده. كان يشعر بالقوة تجري في عروقه كالنار. كان يشعر بالمعرفة تغمر عقله كالسيل. كان يعرف الآن. يعرف أن موته وعودته لم يكونا صدفة. يعرف أن هناك من يحركه كالدمية. يعرف أن حلمه بأن يصبح إمبراطورًا كان مجرد وهم.

لكنه ابتسم. ابتسامة غريبة، مجنونة تقريبًا.

"لا يهم." قال. "حتى لو كنت أداة، سأكون أقوى أداة في هذه اللعبة. وسأعرف من يحرك الخيوط. حتى لو كان ذلك يعني أن أواجه الظلال نفسها."

رفع الحجر أمام عينيه. تأمل ضوءه البنفسجي المتوهج. ثم نظر حوله إلى الزقاق المظلم، إلى الجثث المتفحمة، إلى الدم الجاف على الأرض. كان هناك شيء غريب. ظل طويل على الجدار خلفه. ظل لا يتبع أي جسد.

التفت بسرعة. لم يكن هناك أحد. فقط الظلال. لكنه شعر بنظرة. نظرة تخترقه من مكان ما.

"سأعرف من أنت." قال بصوت عالٍ هذه المرة. "سأعرف من يحرك الخيوط. وسأجعله يدفع الثمن."

لم يجب أحد. لكن الظلال تمايلت قليلاً، كأنها تضحك في صمت.

---

في القصر الإمبراطوري، كان الحفل لا يزال مستمرًا. الأنوار الذهبية، الموسيقى الهادئة، النبلاء يتمايلون في رقصاتهم المملة. وفي زاوية من القاعة، كان الكونت نيون فروست يقف منفردًا، يراقب الحشود بعينين ثاقبتين. بدلته الأنيقة السوداء، شاراته البيضاء النقية، وقفته المهيبة. الكل ينحني له احترامًا، الكل يخفض صوته عندما يمر بالقرب منه.

لكن القلة القليلة التي تعرف الحقيقة، تعرف أن الكونت نيون فروست ليس سوى وجه آخر لشخص آخر. إنه نفس الشخص الذي كان قبل ساعات في المبنى المهجور. نفس الشخص الذي يرتعد من صوت الرقم صفر. نفس الشخص الذي يتشقق قفازه الأبيض.

جيمي كوستراف. الرقم واحد. الشبح الأبيض. والآن، الكونت نيون فروست.

وجهان لشخص واحد. حياة مزدوجة يعيشها منذ سنوات. بالنهار، نبيل محترم في البلاط الإمبراطوري. بالليل، قائد المنظمة الأقوى في الظلال.

وقف الكونت على شرفة غرفته الخاصة المطلة على القاعة، ينظر إلى الحفل من بعيد. في يده كأس من النبيذ الفاخر. على وجهه ابتسامة باردة. كان يعرف أن هناك من عاد. كان يعرف أن الأيام القادمة ستكون مختلفة.

"اللعبة تغيرت." قال لنفسه. "وأنا… ما زلت هنا."

رفع الكأس نحو السماء. نحو القمر. نحو الظلال. ثم توقف. للحظة، رأى شيئًا على حافة الشرفة. ظلًا. ظلًا لا يبدو أنه يتبع أي شخص. مجرد ظل واقف هناك، يراقبه.

"من أنت؟" همس.

لكن الظل اختفى. كما جاء. تاركًا الكونت يتساءل إن كان ما رآه حقيقيًا أم مجرد وهم.

نظر إلى يده. إلى القفاز الأبيض الجديد الذي لم يلبسه إلا قبل ساعات. كان سليمًا، نقيًا، لا تشققات فيه. لكنه شعر بالشقوق القديمة تحت الجلد، تحت اللحم، تحت العظام. كان يعلم أن القفاز يمكن استبداله، لكن الجروح التي تحت الجلد لا تشفى.

"." قال، لكن صوته هذه المرة كان أقل ثقة.

 اه أين أنا بين كل هاذه الفوضى اهاهاهاه تبا تبا تبا اهاه 

---

وفي مكان بعيد، بعيد جدًا، في ذلك المكان الذي لا يُسجل على أي خريطة، كان الكتاب لا يزال مفتوحًا. "الأرقام الاثنا عشر". صفحته تقلب وحدها. والفصل الخامس كان عنوانه واضحًا: "من مات ولم يمت".

وفوق الكلمات، قطرة دم جديدة. تنزل ببطء… قطرة… أخرى…

وكأن القارئ لم يعد يقرأ، بل صار مقروءًا.

وفي الظلال، بين الصفحات، كان هناك شيء يتحرك. شيء ينتظر. شيء يعرف أن الأسئلة أكثر أهمية من الإجابات. وأن الغموض هو اللغة الوحيدة التي يفهمها القدر.

نهاية الفصل الخامس.

More Chapters