الفصل الثامن: شقوق الواقع
المدينة استيقظت على صوت لم تصدره. لا انفجار، لا صراخ، لا شيء يمكن تفسيره. كان صوتاً يأتي من الداخل، من تحت الجلد، من بين الضلوع، من حيث تسكن الأرواح. الناس خرجوا إلى شوارعهم متسائلين، ينظرون إلى السماء، إلى الأرض، إلى أيديهم. كانوا يبحثون عن مصدر الصوت، لكنهم كانوا يعرفون في أعماقهم أن الصوت قادم من داخلهم.
في الحي التجاري، حيث الأسواق تزحم والمتاجر تفتح أبوابها باكراً، توقف بائع الخضار فجأة وهو يزن حزمة بقدونس. نظر إلى الميزان. كان يشير إلى رقم لا معنى له. ثم عاد إلى وضعه الطبيعي. هز رأه واستأنف عمله. لكنه بعد لحظات، وجد نفسه يزن نفس الحزمة مرة أخرى، رغم أنه وضعها جانباً منذ دقائق.
في المقهى الشعبي، كان الرجال يحتسون الشاي ويتحدثون عن السياسة والنساء والأسعار. توقف أحدهم في منتصف الجملة. قال: "هل شعرتم بذلك؟" نظروا إليه باستغراب. تابع: "كأن الزمن توقف للحظة. ثم عاد." ضحك أحدهم: "أنت تتخيل يا رجل." لكنه لم يكن يتخيل. كانوا جميعاً يشعرون به، لكنهم كانوا يخافون التصديق.
في الزقاق الخلفي، حيث القطط تبحث في القمامة والجرذان تركض بين الأرجل، توقف طفل صغير عن اللعب. نظر إلى يده. كان يمسك لعبة بلاستيكية. للحظة، تحولت اللعبة إلى شيء آخر. شيء غريب، لا يعرفه. ثم عادت كما كانت. ركض إلى أمه باكياً. الأم ضمته إلى صدرها، وقالت: "مجرد خيال يا حبيبي." لكنها هي أيضاً رأته.
المدينة كانت تتغير. ببطء، بهدوء، بطريقة لا يلاحظها أحد إلا من يعرف كيف يبحث. شارع كان بالأمس يمتد من الشرق إلى الغرب، أصبح اليوم ينحني قليلاً نحو الشمال. مبنى كان لونه أصفر، أصبح لونه رمادياً فاتحاً. شجرة كانت في زاوية الحديقة، أصبحت في الزاوية المقابلة. تغييرات صغيرة، بالكاد ملحوظة. لكنها كانت هناك.
الناس تظاهروا بعدم الرؤية. هذا ما يفعلونه دائماً عندما يواجهون ما لا يمكن تفسيره. يتجاهلون. يتصرفون وكأن كل شيء طبيعي. يواصلون حياتهم وكأن العالم لم يبدأ بالانهيار من حولهم.
---
في المبنى المهجور، كان الصباح مختلفاً. الضوء الذي دخل من النوافذ المكسورة لم يكن ضوءاً عادياً. كان كثيفاً، لزجاً، كأنه عسل سائل. كان يتحرك ببطء، يملأ الغرف تدريجياً، كأنه كائن حي يزحف.
في الغرفة العميقة، حيث الجدران السوداء والأرضية المرسوم عليها دوائر لا تنتهي، كان زيرو لا يزال جالساً في زاويته. لم يتحرك منذ الفصل الماضي. لكن شيئاً ما كان مختلفاً. تنفسه أصبح أسرع قليلاً. عيناه المغمضتان كانتا تتحركان تحتهما، كأنه يحلم. وكأن أحلامه كانت ثقيلة، عنيفة، مليئة بالصراخ.
الرقم صفر كان لا يزال هناك. لم يغب منذ ليلة أمس. كان يجلس على الأرض، على بعد أمتار قليلة من زيرو، يراقبه بلا كلل. عيناه الحمراء والزرقاء كانتا مثبتتين على ذلك الوجه الهادئ، تنتظران أي تغيير، أي حركة، أي إشارة.
"أنت تحلم." همس الرقم صفر. "أتمنى لو أعرف ما تراه. أتمنى لو أعرف إن كنت ترى ما أراه عندما أنام. أو عندما لا أنام."
تحرك ظل زيرو. هذه المرة، لم يكن مجرد تمدد وانكماش. كان تشكلاً واضحاً. هيئة امرأة. امرأة طويلة، بملامح حادة، وعيون تشبه عيون الرقم صفر. وقفت خلف زيرو للحظة، ثم اختفت.
الرقم صفر جمد مكانه. عرف تلك الهيئة. رآها من قبل. في ذكريات لا يعرف إن كانت حقيقية أم مزروعة. في أحلام لا يعرف إن كانت له أم لنسخة سابقة.
"أمي..." همس بصوت بالكاد سُمِع.
لم يجب أحد. الظل عاد إلى طبيعته. زيرو بقي نائماً. والرقم صفر بقي وحيداً مع سؤال لا إجابة له.
---
طرق على الباب. ثلاث طرقات بطيئة. ثم طرقات سريعة. الشفرة.
دخل جيمي. الرقم واحد. الشاهد. كان وجهه متعباً أكثر من الأمس. عيناه حمراوان، ليس من البكاء هذه المرة، بل من السهر. كانت ملابسه غير مرتبة، ولأول مرة منذ سنوات، بدا وكأنه أهمل نفسه.
"المنظمة تنهار." قال دون مقدمات.
نظر إليه الرقم صفر. "أعرف."
"لا، لا تعرف. الأرقام تختفي. الرقم اثنان ما زال مختفياً. الرقم ثلاثة وخمسة لم يظهرا منذ البارحة. الرقم أربعة يقف عند الباب ولا يتحرك. الرقم ستة تبكي في غرفتها. الرقم سبعة وثمانية وتسعة يختبئون في الزوايا ولا يجرؤون على الخروج."
صمت الرقم صفر. كان يستمع، لكن عينيه كانتا لا تزالان على زيرو.
"والأجهزة." تابع جيمي. "الأجهزة تصدر أرقاماً غير موجودة. أرقام لا معنى لها. أرقام من مئات الآلاف، من ملايين، من أرقام لا يمكن نطقها. النظام يقرأها وكأنها مفهومة، لكنه لا يستجيب لأوامرنا."
"ماذا تفعل الأجهزة؟" سأل الرقم صفر.
"تعيد نفسها. تكرر نفس البيانات. مراراً وتكراراً. وكأن الزمن عالق في حلقة."
نظر الرقم صفر إلى جيمي. لأول مرة منذ دخوله، ركز عليه بالكامل. "الزمن عالق في حلقة؟"
"نعم. الأجهزة تظهر نفس الأرقام كل ساعة. نفس التسلسل. نفس الأخطاء. نفس كل شيء."
وقف الرقم صفر ببطء. كانت حركاته ثقيلة، متعبة. "هذا ليس خطأ. هذا... متعمد."
"متعمد؟ من؟"
نظر الرقم صفر إلى زيرو. إلى ذلك الجسد الهادئ. إلى تلك العيون المغمضة. "هو."
"هو؟ لكنه نائم! لا يتحرك!"
"لا يهم. وعيه يمتد. وجوده يتسرب. حتى وهو نائم، يؤثر على الواقع."
اقترب جيمي من زيرو. نظر إليه عن قرب. لأول مرة، رأى التفاصيل الدقيقة. الشبه الغريب بينه وبين الرقم صفر. العيون التي لو فتحت، لكانت حمراء وزرقاء. الوجه الذي لو اكتمل، لكان وجهاً يعرفه جيداً.
"كم بقي؟" سأل جيمي بصوت خافت.
"لا أدري. أيام. ساعات. لحظات."
"وماذا سنفعل حينها؟"
نظر إليه الرقم صفر. نظرته كانت فارغة. "لا شيء. سنشهد. هذا كل ما نفعله دائماً."
---
في القصر الإمبراطوري، كان الصباح أيضاً مختلفاً. الخدم كانوا يتحركون في الممرات كالظلال، لكن ظلالهم كانت تتحرك بشكل مختلف. كانت تتأخر عنهم، ثم تلحق بهم فجأة. كانت تطول وتقصر دون سبب. كانت تفعل أشياء لا تفعلها الظلال عادة.
في جناح الأميرة، كانت إليا تجلس أمام مرآتها. وصيفتها لارا تمشط شعرها الطويل ببطء. كانتا صامتتين، كل منهما غارقة في أفكارها.
"هل شعرتِ بذلك يا سموك؟" سألت لارا أخيراً.
"بماذا؟"
"بأن... لا أدري. بأن شيئاً مختلفاً اليوم. الهواء أثقل. الزمن أبطأ."
نظرت إليا إلى المرآة. رأت وجهها، لكن للحظة، رأت وجهاً آخر خلفه. وجهاً غريباً، بعيون مختلفة. التفتت بسرعة. لم يكن هناك أحد.
"أنا أيضاً." همست. "أنا أيضاً أشعر بذلك."
ساد الصمت من جديد. ثم سألت لارا: "هل سترينه اليوم؟"
عرفت إليا من تقصد. "لا أدري. هو يأتي عندما يشاء. لا أخبره متى يأتي."
"أتحبينه؟"
التفتت إليا إلى وصيفتها. "ماذا؟"
"أتحبينه؟ هذا الغريب؟"
صمتت إليا طويلاً. ثم قالت: "لا أدري. هو... مختلف. معه، أشعر بالأمان. معه، لا أشعر أني سلعة. معه، أشعر أني إنسانة."
تنهدت لارا. "احذري يا سموك. هذا العالم لا يرحم. والحب فيه... قد يكون أخطر سلاح."
قبل أن ترد إليا، دق جرس الباب. دخلت خادمة وانحنت. "سموك، الإمبراطور يطلبك في قاعة المجلس. السفراء وصلوا."
تجمدت إليا. نظرت إلى لارا بعيون خائفة. "لقد جاءوا."
"كوني قوية يا سموك."
نهضت إليا ببطء. لبست رداءها الرسمي. سارت خلف الخادمة، وقلبها ينبض بعنف. كانت تعرف أن هذا اليوم سيأتي. كانت تعرف أن السفراء سيحضرون ليروا "البضاعة" قبل إتمام الصفقة.
في قاعة المجلس، كان الإمبراطور أندريان جالساً على عرشه. إلى جانبه، وقف مستشاروه وجنوده. وفي مقابلهم، وقف ثلاثة رجال بملابس فاخرة، بوجوه جامدة، بعيون تفتش وتقيم وتحسب.
دخلت إليا. كل العيون اتجهت إليها. شعرت بأنها عارية، رغم ثيابها الفاخرة. شعرت بأنها قطعة لحم تُعرض في سوق النخبة.
الإمبراطور أشار إليها. "هذه ابنتي إليا. الأميرة الوحيدة. وريثة العرش."
تقدم أحد السفراء. رجل في الخمسين، بشارب كثيف وعيون زرقاء باردة. دار حول إليا كالنمر حول فريسته. نظر إليها من كل الجهات. فحصها كأنها جواد في مزاد.
"جميلة." قال. "صحية. تبدو ذكية. سنأخذها."
كلمة "سنأخذها" علقت في أذن إليا كخنجر. نظرت إلى أبيها. كان ينظر إلى السفراء بابتسامة راضية.
"الصفقة إذن مكتملة." قال الإمبراطور. "سيتم توقيع العقد بعد شهر. تأخذونها معكم، وتتم مراسم الزواج في عاصمتكم."
انحنى السفراء. "شكراً لكم يا صاحب الجلالة. سنكون في انتظار الأميرة."
خرجوا. بقيت إليا واقفة في مكانها، جامدة، لا تستطيع الحركة. اقترب منها أبوها. وضع يده على كتفها. كانت يده باردة، كالجليد.
"أحسنت." قال. "لم تخجليني."
نظرت إليه إليا. كانت عيناها تدمعان، لكنها منعت الدموع من السقوط. "أبي... من فضلك... أنا لا أريد..."
قاطعها الإمبراطور بحدة. "لا يهم ما تريدين. المهم ما تخدمين. هذه هي وظيفتك. هذه هي مهمتك. تقبليها أو..." توقف. ابتسم ابتسامة باردة. "لا يوجد أو."
خرج تاركاً إياها واقفة وحيدة في قاعة المجلس الكبيرة.
سقطت إليا على ركبتيها. الدموع انهمرت أخيراً. بكت بصمت، بصوت لا يسمعه أحد. بكت كل الدموع التي حبستها طوال سنوات.
من بعيد، من خلف الستائر، كان زين يراقب. كان وجهه متألماً. كان يتمنى لو يستطيع مساعدتها. لكنه كان مجرد صديق. مجرد شاب لا قوة له. مجرد ظل آخر في قصر الظلال.
همس لنفسه: "يا زيرو... أين أنت؟ إنها تحتاجك الآن."
---
في الحديقة، حيث التقيا مراراً، كان زيرو واقفاً تحت الشجرة العتيقة. كان ينظر إلى السماء، إلى الغيوم التي تمر ببطء. كان يفكر. أو ربما كان لا يفكر. كان فقط موجوداً.
فجأة، شعر بشيء. ألم في صدره. ألم غريب، ليس جسدياً، بل عاطفياً. كأن روحه تبكي. عرف أن إليا تبكي. عرف أنها تحتاجه.
تحرك. لم يفكر. لم يخطط. تحرك كالسهم. ركض نحو القصر. لم يكن يعرف الطريق، لكن جسده كان يعرف. كان كالحيوان الذي يجد طريقه إلى بيته غريزياً.
تسلق الجدران كالعنكبوت. تخطى الحراس كالظل. وصل إلى قاعة المجلس في دقائق. وجدها راكعة على الأرض، تبكي.
وقف خلفها. لم يتكلم. فقط وضع يده على كتفها.
التفتت إليها. رأته. للحظة، ظنت أنها تتخيل. لكنه كان حقيقياً. كان هناك.
"زيرو..." همست.
انحنى وجلس بجانبها على الأرض. أخذ يدها بيده. "أنا هنا."
"سيأخذونني." بكت. "باعوني. كسلعة. كقطعة قماش."
"لا."
"ماذا؟"
نظر إليها زيرو. عيناه كانتا تحترقان. "قلت لا. لن يأخذوك. ليس ما دمت هنا."
"لكنك لا تستطيع..."
"لا أعرف ماذا أستطيع." قاطعها. "لا أعرف قوتي. لا أعرف حقيقتي. لكني أعرف أنني لن أتركهم يؤذونك. هذا أعرفه."
نظرت إليه إليا طويلاً. رأت في عينيه شيئاً لم تره من قبل. عزيمة. غضب. حب. كلها معاً.
"لماذا؟" سألت. "لماذا تفعل هذا من أجلي؟"
صمت زيرو. فكر طويلاً. ثم قال: "لأنك أول من رأتني كإنسان. لأنك ضحكت معي. لأنك بكيت أمامي. لأنك جعلتني أشعر أني موجود حقاً. لهذا."
بكت إليا من جديد. لكن هذه المرة، كانت دموعاً مختلفة. دموع امتنان. دموع أمل.
جلسا هناك طويلاً، على أرض القاعة الباردة، يدان متشابكتان، وقلبان يخفقان معاً.
من بعيد، من خلف الباب، كان زين يراقب. رأى زيرو. رأى يديهما المتشابكتين. ورأى شيئاً آخر. للحظة، خيل إليه أن ظل زيرو كان يتحرك بشكل غريب. كأنه يعيش حياة مستقلة.
"من أنت حقاً يا زيرو؟" همس. "وما سرك؟"
لم يجب أحد. لكن الظل استمر في حركته الغريبة، كأنه يرقص رقصة لا يفهمها إلا هو.
---
في مكان آخر، في شقة متواضعة على أطراف المدينة، كان إدوارد يجلس على سريره. الحجر البنفسجي كان في يده، يتوهج بضوء خافت. كان ينظر إليه طوال الليل، يحاول فهمه، يحاول السيطرة عليه.
"أنت مفتاح." همس للحجر. "أنت مفتاح كل شيء. لكني لا أعرف كيف أستخدمك."
فجأة، توهج الحجر بقوة. أضاء الغرفة كلها. شعر إدوارد بشيء يجتاحه. رؤى. صور. مشاهد. رأى المدينة من فوق، كما لو كان طائراً. رأى المبنى المهجور، رأى الغرفة العميقة، رأى زيرو نائماً والرقم صفر يراقبه. رأى إليا تبكي وزيرو يمسح دموعها. رأى جيمي واقفاً على شرفة القصر، ينظر إلى السماء بحزن. ورأى... شيئاً آخر. شيئاً كبيراً. شيئاً أسود. شيئاً يتحرك في الظلال.
ثم عاد إلى واقعه. كان يتنفس بصعوبة. كان يعرق بغزارة. كان يعرف الآن. يعرف أن اللعبة أكبر منه. أكبر من الجميع.
"الذين في الخلف." همس. "إنهم يتحركون."
نهض من سريره. نظر من النافذة. المدينة كانت هادئة ظاهرياً، لكنه كان يرى ما لا يراه الآخرون. كان يرى الشقوق. الشقوق الصغيرة في الواقع. الشقوق التي تكبر كل يوم.
"قريباً." قال. "قريباً ستنفتح. وقريباً... سأعرف الحقيقة."
---
في الغرفة العميقة، فتح زيرو عينيه.
لا، لم يفتحهما بالكامل. لكنهما ارتعشتا تحت الجفنين. وللمرة الأولى منذ أسابيع، بدأ يتنفس بعمق أكبر. بدأ يتحرك في نومه.
الرقم صفر رآه. تراجع خطوة. كان قلبه، الذي لا يعتقد أنه ينبض، يدق بعنف.
"لا..." همس. "ليس بعد. لم أستعد بعد."
لكن زيرو تحرك مرة أخرى. أدار رأسه قليلاً. تمتم بكلمات غير مفهومة.
اقترب الرقم صفر بحذر. أنصت.
"...إليا..." تمتم زيرو. "...لا تأخذوها..."
تجمد الرقم صفر. "إليا؟ من تكون إليا؟"
نظر إلى جسده النائم، إلى وجهه الهادئ، إلى الكلمات التي تخرج من فمه. لأول مرة، شعر بشيء نادر. فضول. فضول حقيقي تجاه هذا الكائن الذي هو منه وليس منه.
"من هي إليا؟" سأل بصوت عالٍ. "وما شأنك بها؟"
لم يجب زيرو. عاد إلى سكونه. لكن الكلمة بقيت في أذن الرقم صفر. إليا. اسم. امرأة. شخص يهم زيرو.
"غريب." همس الرقم صفر. "حتى أنا ليس لدي من أهتم به. وأنت، نصف نائم، نصف موجود، لديك من تحبه."
جلس على الأرض أمام زيرو. للمرة الأولى منذ زمن طويل، شعر بشيء يشبه الحسد. أو ربما الحنين. أو ربما مجرد فضول.
"أخبرني عن نفسك يا زيرو." همس. "أخبرني عمن تكون. لأني لا أعرف حتى من أنا."
لم يجب زيرو. لكن ظله تحرك. تشكلت هيئة امرأة مرة أخرى. وقفت خلف زيرو، ونظرت إلى الرقم صفر. ثم همست بصوت لا يُسمع، لكنه وصل إلى أعماق الرقم صفر: "ابني..."
ارتعش الرقم صفر. قفز واقفاً. نظر حوله بجنون. لم يرَ أحداً. فقط الظلال تتحرك.
"من أنت؟" صرخ. "أظهر نفسك!"
لكن لا أحد ظهر. فقط الظلال استمرت في حركتها، والرياح عوَت في الخارج، وزيرو بقي نائماً.
وقف الرقم صفر هناك، قلبه يدق، وروحه ترتجف. للمرة الأولى في حياته (أو في هذه النسخة من حياته) شعر بالخوف الحقيقي. ليس الخوف من عدو، بل الخوف من المجهول. الخوف من ما لا يفهم.
---
في الخارج، بدأت السماء تمطر. لكن القطرات كانت غريبة. كانت تتجمد في الهواء قبل أن تسقط، مكونة كرات جليدية صغيرة. كانت تتكسر على الأرض كالزجاج. كان صوتها كصراخ أطفال.
الناس هربوا إلى بيوتهم. أغلقوا النوافذ. أشعلوا النيران. تظاهروا بأن كل شيء طبيعي. لكنهم كانوا يعرفون. كانوا يعرفون أن العالم من حولهم ينهار ببطء. كانوا يعرفون أن ما يعرفونه عن الواقع لم يعد صحيحاً. كانوا يعرفون أن هناك قوى تتحرك في الخلف، تعد العدة لشيء كبير.
وفي زقاق مظلم، حيث لا يصل الضوء ولا تصل الرحمة، وقف ظل طويل. ظل بلا صاحب. ظل يعيش وحده. نظر إلى المدينة، إلى الناس، إلى السماء. ثم همس بصوت لا يسمعه أحد:
"قريباً. قريباً ستبدأ النهاية الحقيقية."
ثم اختفى. كأنه لم يكن موجوداً.
لكن أثره بقي. أثره في شقوق الواقع، في ارتعاش الزمن، في قلوب الخائفين.
نهاية الفصل الثامن.
