الفصل الثالث: الخطأ الذي لم يُسجَّل
لم تُكسر النافذة. لم يُفتح الباب بالقوة. ولم يُسمع صوت صراخ. حين دخل جون ستورد الشقة، كان الأمر أشبه بدخول فكرة إلى عقلٍ مرهق… بلا مقاومة. كأن الجدران نفسها تنحت لتفسح له الطريق، كأن الهواء توقف عن التنفس لئلا يعيق خطواته، كأن الزمن تمهل ليشهد لحظة كانت مكتوبة منذ الأزل. لم يكن دخول قاتل إلى مخبأ ضحيته، بل كان دخول قدر إلى موعده المحتوم.
"اجلس." قالها بهدوء. ليس كأمر، بل كحقيقة. كمن يقول للشمس: أشرقي.
جلس علي أحمد. لم يكن مقيدًا، لم تكن هناك حبال، لم تكن هناك أصفاد. لكن جسده أطاع قبل أن يفهم لماذا. كان هناك شيء في صوت جون، في طريقة وقوفه، في تلك البدلة السوداء التي لا تعكس الضوء، في تلك القفازات البيضاء النقية التي تبدو كأنها لم تلمس شيئًا قذرًا قط… شيء يجعل الطاعة تبدو كالخيار الوحيد الممكن.
"هذه ليست أول مرة نلتقي فيها." قال جون وهو ينظر حوله، إلى الأوراق المبعثرة، الدوائر المرسومة على الجدران، الرموز المشطوبة، الأسهم التي تعود إلى نفسها. كان يتجول في الشقة كمن يزور متحفًا، كمن يقرأ تاريخ حياة كاملة مكتوبة على جدران غرفة واحدة.
"أعرف." رد علي بصوت مبحوح، بصوت يشبه حفيف الرمال في الصحراء. كان لا يزال جالسًا، لكن عينيه كانتا تتبعان جون أينما ذهب. عينان حمراوان وسوداوان، لكنهما الآن تعكسان فقط ما يراه دون أن تضيفا شيئًا.
"وفي كل مرة… تنتهي بنفس الطريقة." أضاف علي، وابتسامة مريرة رسمت شفتيه.
ابتسم جون ابتسامة صغيرة. ابتسامة من يعرف أكثر مما يقول، من يرى أكثر مما يظهر. "ليس تمامًا."
مد يده. في راحة يده، كانت هناك قطعة سوداء صغيرة. لا تعكس الضوء. كأنها تمتصه. كأنها ثقب أسود صغير، يبتلع كل ما يقترب منه. حتى الهواء حولها بدا أثقل، أبطأ، أكثر كثافة.
"أعطني هذا." قال. ليس سؤالاً. ليس أمرًا. مجرد حقيقة أخرى.
نظر علي إلى القطعة. إلى ذلك السواد المطلق. إلى ذلك العدم المصغر. وشعر بصداع مفاجئ. صور متداخلة بدأت تتدفق في رأسه كفيضانات بعد انهيار سد. موت. عودة. رصاصة تخترق جمجمة. ضحكة مجنونة تتردد في زقاق مظلم. عيون حمراء وزرقاء تحدق فيه من الظلام. أيادٍ بيضاء تلتقط حجرًا بنفسجيًا. 999 مرة قتل فيها وعاد. 999 مرة ظن أنه بدأ من جديد. 999 مرة كان واثقًا أنه هذه المرة مختلف. ثم المرة الألف. وهذه المرة؟ أي مرة هذه؟
"إن فعلت…" قال علي، وصوته يخرج بصعوبة كأن كلماته تحاول الإفلات من جاذبية تلك القطعة السوداء. "سيحدث شيء أسوأ."
"هذا ما نريده." أجاب جون بلا تردد. بلا لحظة تفكير. كأنه يقرأ من نص مكتوب مسبقًا. كأنه مجرد أداة تنفذ برنامجًا لا يعرفه حتى.
في قاعة المنظمة، في ذلك المكان الذي لا يُسجل على أي خريطة، تحت سبعة طوابق من الخرسانة المسلحة والمعادن النادرة، وقف الرقم واحد فجأة. جيمي كوستراف. الشبح الأبيض. الوحيد الذي يعرف الحقيقة كاملة. وقف وكأن شيئًا ما لكمه من الداخل، كأن صاعقة اجتازت عموده الفقري، كأن صوتًا لم يسمعه أحد غيره صرخ في أذنيه.
"توقفوا." قال.
نظر إليه الجميع. الأرقام مصطفة. اثنان، ثلاثة، أربعة، خمسة، ستة، سبعة، ثمانية، تسعة. كل عيونهم عليه. كل أنفاسهم حبست.
"ماذا؟" سأل الرقم ثلاثة. سيدة الدوما. بعيونها الرمادية التي تخفي أسرارًا لا توصف.
"هناك خطأ." قال الرقم واحد وهو يضغط على قفازه الأبيض، يضغط كأنه يحاول إيقاف نزيف لا يراه أحد. "هذا ليس المسار الصحيح."
"لكن الاحتمالات…" بدأ الرقم ستة. امرأة نحيفة بوجه طويل وشعر أشقر مصبوغ.
"الاحتمالات لا تهم." قاطعه الرقم واحد. صوته حاد كالسكين، بارد كالثلج، ثقيل كالموت. "الصفر… لم يتدخل بعد."
ساد الصمت. ذلك الصمت الثقيل الذي يسبق العواصف، ذلك الصمت الذي تعرف فيه أن شيئًا ما على وشك الحدوث، لكنك لا تدري متى ولا كيف.
"وهذا بحد ذاته مشكلة." أضاف الرقم واحد، وجلس مكانه ببطء، كمن يحمل على كتفيه جبالاً لا تُرى.
في أعلى المبنى، حيث كانت الرياح تعوي كالذئاب الجائعة، أنزل زيرو يده ببطء. لم يحدث شيء. المدينة لم تنفجر. الزمن لم ينكسر. السماء لم تمطر نارًا. الأرض لم تبتلع أحدًا. وهذا… لم يكن طبيعيًا.
"آه…" قال مبتسمًا. ابتسامة خفيفة، بالكاد حركت شفتيه. ابتسامة من يعرف شيئًا لا يعرفه الآخرون. "إذًا اخترت الصمت هذه المرة."
أغمض عينه الحمراء. تلك العين التي ترى ما لا تراه العيون العادية. تلك العين التي تشهد الولادات والموتات في نفس اللحظة. تلك العين التي تعرف أن كل ما يحدث قد حدث من قبل، لكن هذه المرة… مختلفة.
"خطأ جميل." همس.
في الشقة، في تلك اللحظة بالذات، وضع علي القطعة على الطاولة. لامست الخشب. ذلك الخشب المتشقق، القديم، الذي شهد آلاف الساعات من التفكير والرسم والشطب. وفي اللحظة التي لامست فيها القطعة السوداء ذلك الخشب البني الباهت، انطفأت الأضواء في الحي كاملًا.
ليس تدريجيًا. ليس كدائرة كهرباء تنقطع. بل كأن الضوء ابتلع. كأن الظلام أصبح كائنًا حيًا وقرر أن يلتهم كل ما هو مضيء. في لحظة واحدة، أصبح الحي كله في ظلام دامس. لا مصابيح في الشوارع. لا أضواء في النوافذ. لا حتى ضوء القمر، الذي كان قبل لحظة يغطي السماء، اختفى كأنه لم يكن موجودًا أبدًا.
توقف الهواء. توقفت الرياح التي كانت تعوي قبل لحظة. توقفت الأصوات. حتى صرير الفئران في الجدران، حتى حفيف الأوراق على الطاولة، حتى دقات القلوب. كل شيء توقف.
وحتى جون… تجمد. يده لا تزال ممدودة، عيناه واسعتان، فمه مفتوح قليلاً. لأول مرة، بدا عليه أنه لا يعرف. لأول مرة، بدا عليه أنه مجرد إنسان.
"ما هذا؟" قال لأول مرة بنبرة مختلفة. نبرة لم تكن في النص. نبرة لم تكن في التدريب. نبرة ارتجفت فيها الكلمة قبل أن تخرج.
وقف علي ببطء. نهض من كرسيه وكأنه ينهض من قبر. عينيه لم تعودا خائفتين. لم تعودا مرتبكتين. لم تعودا تائهتين. بل كانتا صافيتين، واضحتين، كمن استيقظ فجأة من حلم طويل.
"هذا هو الخطأ." قال. وصوته هذه المرة لم يكن مبحوحًا. كان قويًا، واثقًا، كصوت من يعرف الحقيقة. "القطعة لا تعمل إن أُخذت بالقوة."
تشقق السقف.
لا… لم يتشقق بالمعنى المعتاد. لم تسقط منه قطع الجص والإسمنت. بل تذكر. تذكر السقف. تذكر أنه كان سماءً مرة. تذكر أنه كان فضاءً مفتوحًا. تذكر أنه كان يشهد نجومًا وغيوما وطيورًا. تذكر ثم تشقق. وفي تلك الشقوق، ظهرت صور. صور من الماضي، من المستقبل، من أزمنة لا تنتمي لهذا الزمن.
في الظلال، في ذلك المكان الذي لا يجرؤ الضوء على الاقتراب منه، في أعماق حيث الزمن لا يمشي بل يزحف، فتح الرقم صفر عينيه بالكامل. كلتيهما. الحمراء والزرقاء. فتحهما كمن يستيقظ من نوم لم يدم دقائق بل دهورًا.
"أخيرًا…" قال. وصوته جعل الظلال نفسها ترتجف. "شخص أخطأ بالطريقة الصحيحة."
نهض. وللمرة الأولى منذ زمن لا يُحصى، تحرك بنفسه. لم يرسل رسلاً. لم يستخدم وكلاء. لم يحرك خيوطًا من بعيد. بل تحرك هو. بقدميه. بجسده. بإرادته.
حين عاد الضوء، حين قرر الكون أن يسمح للنور بالعودة، كانت الشقة فارغة. لا جون ستورد. لا علي أحمد. لا القطعة السوداء. لا الأوراق. لا الدوائر. لا الرموز. فقط طاولة خشبية متشققة، فارغة، وحيدة، تحدق في فراغ الغرفة.
وفقط على الجدار، على ذلك الجدار الأصفر المتسخ، كُتبت جملة لم تكن هناك من قبل. كُتبت بخط لم يكن خط علي، ولا خط جون. كان خطًا غريبًا، قديمًا، كأنه كتب بيد من زمن آخر. تقول الجملة:
«التكرار لا ينتهي… إلا حين يرفض أحدهم العودة.»
وفي مكان ما، في أعلى مبنى، تحت قمر عاد للظهور فجأة، وقف زيرو وحيدًا. نظر إلى المدينة التي بدأت تستعيد أنفاسها ببطء. نظر إلى الأضواء التي عادت تتوهج واحدة تلو الأخرى. نظر إلى الناس الذين خرجوا إلى شرفاتهم يتساءلون ماذا حدث.
وضحك.
ضحكة خفيفة أولاً، ثم louder، ثم أعلى، حتى أصبحت ضحكة مدوية تملأ الليل.
"الآن…" قال حين توقف عن الضحك، حين مسح دمعة تخيلية من عينه. "بدأت القصة التي حاولتم محوها."
وفي قاعة المنظمة، وقف الجميع صامتين. ينظرون إلى الشاشات الفارغة. إلى الأجهزة التي لا تلتقط شيئًا. إلى الخرائط التي لا تظهر شيئًا. إلى المكان الذي كان يجب أن يكون فيه جون وعلي، وهو الآن فارغ كأن شيئًا لم يكن.
نظر الرقم واحد إلى القفاز الأبيض على يده. إلى الرقم واحد المطرز عليه. ثم رفع عينيه نحو الفراغ في الزاوية. نحو ذلك المكان الذي كان فارغًا دائمًا، لكنه الآن كان فارغًا بطريقة مختلفة.
"ماذا فعلت يا سيدي؟" همس بصوت لا يسمعه أحد.
ومن ذلك الفراغ، من ذلك العدم المكثف، جاءت إجابة لم يسمعها إلا هو:
"أخيرًا… بدأت ألعب بشكل صحيح."
---
وفي اللحظة التي سكنت فيها الحروف على الجدار، ومن حيث لا يدري أحد، ولا يعلم القدر نفسه من أين أتوا، ظهر خمسة أشخاص.
لم يكونوا غرباء تماماً، لكنهم لم يكونوا مألوفين أيضاً. كانت وجوههم تحمل ملامح لا يمكنك تذكرها؛ حتى لو رافقتهم لسنوات طوال، فما إن تغمض عينيك لن تتذكر شكل أعينهم، ولا نبرة أصواتهم، ولا حتى طول ظلالهم.
كانوا هناك، يقفون في زوايا الغرفة الفارغة كأنهم وُجدوا مع جدرانها منذ الأزل، أو كأنهم "أخطاء" في النظام قررت أخيراً أن تتجسد. لم ينظروا إلى الطاولة، ولم يقرؤوا الجملة، بل اكتفوا بالنظر نحو الفراغ الذي تركه علي وجون… بانتظار شيء لا يعرفه سواهم.
الغرفة التي كانت فارغة قبل لحظة، أصبحت ممتلئة الآن. ليس بالأثاث، ولا بالأوراق، بل بوجودهم. وجود ثقيل، كثيف، كأن الهواء ازداد وزناً. خمسة أشخاص، في خمس زوايا، والزاوية السادسة… كانت لا تزال فارغة. وكأنهم ينتظرون شخصاً سادساً لم يأت بعد.
كان أحدهم، في الزاوية الشمالية، يحمل في يده شيئاً يشبه الساعة، لكنها لا تقيس الوقت. عقاربها تدور في الاتجاه المعاكس، بسرعة لا تطاق، ثم تبطئ، ثم تتوقف، ثم تعود.
آخرهم، في الزاوية الشرقية، لم يكن له ظل. رغم أن الضوء عاد، رغم أن المصباح في السقف كان يعمل، لم يكن له ظل. وكأنه يرفض أن يترك أثراً في هذا العالم.
الثالث، في الزاوية الغربية، كانت عيناه مغمضتان. لكنك كنت تشعر أنه يراك. يراك من خلف جفنيه المطبقين. يراك كأنك كتاب مفتوح.
الرابع، في الزاوية الجنوبية، كان يبتسم. ابتسامة ثابتة، لا تتغير، لا تتحرك، كأنها مرسومة على وجهه منذ ولادته.
والخامس، في الزاوية التي تلي الباب مباشرة، كان يحدق في الفراغ الذي تركه علي وجون. كان يحدق كأنه يرى فيه شيئاً لا يراه الآخرون. كأنه يرى مستقبلاً لم يكتب بعد، أو ماضياً لم يحدث أبداً.
لم يتكلم أحد. لم يتحرك أحد. فقط وقفوا هناك، في صمت مطبق، في غرفة فارغة، في مبنى قديم، في مدينة لا تدري أنها مجرد حلقة في سلسلة لا نهائية من التكرار.
خارجاً، في الشارع، عاد البائع الجالس على الرصيف ليبيع فولاً لم يشتريه أحد. عاد الطفل ليركض خلف كرته الممزقة ثم يتعثر في نفس المكان. عادت المرأة العجوز لتجر عربة التسوق الفارغة. عاد الكلب الأجرب ليبحث في القمامة عن شيء يأكله.
داخل الشقة، في الزوايا الخمس، وقف الخمسة ينتظرون.
والزاوية السادسة… كانت لا تزال فارغة.
تنتظر من يسدها.
تنتظر من يكتمل بهم العدد.
تنتظر…
ربما أنت.
