الفصل التاسع: الحراس المتمردون
المدينة كانت تئن تحت وطأة ما لا يُرى. الناس يمشون في الشوارع وكأنهم في حلم، خطواتهم ثقيلة، عيونهم زائغة، يتجنبون النظر إلى الظلال التي تطول أكثر من اللازم، وإلى الانعكاسات في النوافذ التي لا تشبه من يقف أمامها. الكل يشعر أن شيئاً ما يحدث، لكن الكل يتظاهر بأنه لا يرى. هذه هي طبيعة الفصل السابع: الذين في الخلف يتحركون
المدينة لم تكن تعلم أنها تغيرت. الشمس أشرقت كالعادة، لكن ضوءها كان مختلفاً. أثقل. أبطأ. كأنها تسبح في عسل غير مرئي. الناس خرجوا إلى شوارعهم، يمارسون طقوسهم اليومية، يتظاهرون بأن كل شيء طبيعي. لكن في أعماقهم، كانوا يشعرون به. ذلك الثقل. تلك العين التي تطل من السماء ثم تختفي. ذلك الإحساس بأن أحداً يراقب. كانوا يمشون في الطرقات، يدخلون المتاجر، يشترون الخبز والخضروات، يتبادلون التحيات المبتذلة. لكن كل واحد منهم، في لحظة ما من يومه، توقف عن الحركة للحظة، ونظر حوله بتوجس، وكأنه سمع صوتاً لا يسمعه أحد غيره.
في الحي القديم، حيث المباني آيلة للسقوط والأزقة ضيقة كأنها شقوق في جسد المدينة، جلس رجل عجوز على عتبة بيته المتداعي. كان ينظر إلى السماء بعينين غائرتين. قال لجاره الذي مر بجانبه: "هل تراهم يا بني؟"
توقف الجار، شاب في الثلاثين، ونظر إلى السماء. لم يرَ شيئاً. "من يا عمي؟"
العجوز ضحك ضحكة جافة. "الذين في الخلف. الذين يحركون الخيوط. إنهم ينظرون إلينا اليوم. أشعر بذلك في عظامي."
هز الشاب كتفيه ومضى في طريقه. لكنه بعد خطوات قليلة، توقف أيضاً. نظر إلى السماء. للحظة، خيل إليه أن سحابة صغيرة توقفت عن الحركة، وكأنها تنتظر شيئاً. ثم عادت إلى مسارها.
هز رأسه واستأنف السير. لكن السؤال بقي في رأسه: من هم الذين في الخلف؟
---
في المبنى المهجور، كان الغبار قد استقر أخيراً. الجدران المتشققة، الأرض المنهارة، السقف المتهالك. كل شيء كان كما تركوه في الليلة الماضية، بعد ذلك الوميض الغامض الذي اجتاح القاعة. لكن شيئاً ما كان مختلفاً. في الغرفة العميقة، حيث لا يدخل أحد إلا الرقم صفر وحده، حيث الجدران من حجر أسود لا يعكس الضوء، والأرض من رخام داكن رسمت عليه دوائر متداخلة لا تنتهي، كان زيرو لا يزال جالساً في زاويته.
عيناه مغمضتان، تنفسه منتظم، بالكاد يُرى حركة صدره. لم يتغير. لكن ظله كان مختلفاً. كان يمتد أبعد مما ينبغي، أبعد من أي ظل عادي. كان يلامس الجدار المقابل، رغم أن زيرو جالس في الزاوية البعيدة. وكان يتحرك. يتحرك في اتجاهات لا تتماشى مع جسده الهادئ. تارة يتمدد، تارة ينكمش، تارة يتشكل كهيئة بشرية ثم يعود كما كان.
الرقم صفر وقف أمامه. كان قد أمضى الليل كله هناك، يراقب. لم يتحرك من مكانه منذ أن غادر جيمي في نهاية الفصل الماضي. عيناه الحمراء والزرقاء لم ترمشا مرة واحدة. كان يحدق في زيرو كما يحدق المرء في مرآة لا تعكس صورته. أو تعكس صورته لكن بشكل مختلف.
"أنت تعود." همس الرقم صفر. صوته كان خافتاً، بالكاد يسمعه هو نفسه. "في كل مرة، تعود. وفي كل مرة، أظن أنني مستعد. لكنني لست مستعداً أبداً."
مد يده، وكاد يلمس وجه زيرو. تراجع في اللحظة الأخيرة.
"كم مرة حدث هذا؟" سأل زيرو الصامت. "كم مرة وقفت هكذا أمامك وأنا لا أعرف إن كنت أنا من سيختفي أم أنت؟ كم مرة تبادلنا الأدوار دون أن ندري؟"
تحرك ظل زيرو. للحظة، بدا وكأنه يشكل هيئة أخرى. هيئة رجل يجلس على كرسي. كرسي مرتفع، كعرش. ثم عاد إلى طبيعته.
الرقم صفر تراجع خطوة. عرف ذلك الشكل. رآه من قبل. في أحلامه. في كوابيسه. في تلك اللحظات النادرة التي ينسى فيها من هو.
"أنت..." همس. "أنت هناك. تنتظر."
لم يجب ظل زيرو. فقط استمر في التحرك ببطء، كأنه يرقص رقصة لا يعرفها أحد.
---
طرق خفيف على الباب. ثلاث طرقات متباعدة. ثم طرقات سريعة. الشفرة.
لم ينتظر الرقم صفر الإذن. كان يعرف من الطارق. كان الطارق الوحيد الذي يسمح له بدخول هذه الغرفة.
دخل الرقم واحد. جيمي كوستراف. الشبح الأبيض. الرجل الذي قتل 999 متراجعاً. الرجل الذي شهد موت نسخ لا تحصى من الرقم صفر. لكنه اليوم لم يكن يرتدي قفازه الأبيض. يداه عاريتان، والأوردة الزرقاء تظهر تحت الجلد الشاحب، كأنها خرائط لدروب لا يريد أحد السير فيها. كان وجهه متعباً، عيناه حمراوان من السهر، أو ربما من البكاء. وقف بجانب الرقم صفر، ونظر إلى زيرو.
"لم تنم." قال جيمي. ليس سؤالاً. كان يعرف الجواب.
"لا أنام هذه الأيام." أجاب الرقم صفر. صوته كان هادئاً، لكن تحته كان هناك بحر من القلق.
"متى كانت آخر مرة نمت فيها؟"
التفت الرقم صفر إليه. نظرته كانت ثاقبة، لكنها كانت أيضاً حزينة. "لا أذكر. هل يهم؟"
صمت جيمي لحظة. كان يفكر في كل الليالي التي سهرها هو أيضاً. كل الليالي التي قضاها يراقب، ينتظر، يخشى. ثم قال: "الرقم اثنان اختفى."
لم يبدُ الرقم صفر مندهشاً. "أعرف."
"الرقم ثلاثة وخمسة أيضاً. والأرقام الأخرى بدأت تشعر بالخطر. يختبئون. الرقم تسعة يبكي في الزوايا. الرقم أربعة يقف عند الباب ولا يجرؤ على الدخول. الرقم ستة تتفقد الأجهزة ويداها ترتجفان."
"أعرف."
"والمنظمة... تتداعى. الجدران تتشقق. النظام يصدر أصواتاً غريبة. حتى الأجهزة لم تعد تعمل كما يجب."
نظر الرقم صفر إلى جيمي طويلاً. نظر إلى هذا الرجل الذي رآه يولد، ويكبر، ويشيخ، ويظل شاباً. هذا الرجل الذي كان الشاهد الوحيد على كل النسخ. ثم قال بصوت هادئ، مخيف في هدوئه: "المنظمة كانت مجرد واجهة. أنت تعرف هذا."
"أعرف." همس جيمي. "لكنها كانت... شيئاً. كانت بيتاً. كانت عائلة. كانت معنى."
"كل شيء كان شيئاً. ثم يصبح لا شيء. هذه هي القاعدة الوحيدة في هذا الوجود."
نظر جيمي إلى زيرو. إلى ذلك الوجه الهادئ. إلى تلك العيون المغمضة. إلى ذلك التنفس المنتظم. "متى سيستيقظ؟"
"لا أدري. ربما اليوم. ربما بعد عام. ربما بعد ألف عام."
"وما الذي سيحدث حينها؟"
ابتسم الرقم صفر. ابتسامة بالكاد حركت شفتيه. ابتسامة مريرة، متعبة، حزينة. "ستبدأ اللعبة من جديد. مثلك مثل كل مرة."
"ومثل كل مرة... سأشهد؟"
"ومثل كل مرة... ستشهد. هذا دورك يا جيمي. أنت الشاهد. أنت الحلقة التي لا تنكسر."
سكت جيمي. كان يعرف هذا. كان يعرفه منذ تلك الليلة البعيدة، عندما وضع الرقم صفر الأول يده على كتفه وقال: "ستكون الشاهد الوحيد. ستنسى ثم تتذكر، تنسى ثم تتذكر. هذا هو دورك."
نظر إلى يديه العاريتين. إلى الأوردة الزرقاء. إلى الجروح القديمة التي لا تندمل. "وأنا تعبت من الشهادة."
اقترب الرقم صفر منه. وضع يده على كتفه. للمرة الأولى، كانت لمسة الرقم صفر دافئة. إنسانية. "أعرف. وأنا آسف."
نظر جيمي إليه. "أنت آسف؟ أنت؟"
"أنا أيضاً مجرد نسخة يا جيمي. وأنا أيضاً سأتعب يومًا. وأنا أيضاً سأموت. الفرق أنني لا أتذكر كم مرة مت."
في تلك اللحظة، تحرك زيرو. لا، لم يتحرك جسده. لكن إصبعه الخنصر ارتعش. ارتعاشة خفيفة، بالكاد مرئية، مثل وميض برق بعيد.
كلاهما رآها. تجمدا في مكانهما.
"إنه يعود." همس جيمي.
"دائمًا يعود." قال الرقم صفر.
---
في القصر الإمبراطوري، كانت الحياة تجري كالمعتاد. الخدم يهرولون في الممرات، الحراس يقفون منتصبين عند كل باب، النبلاء يتجولون بملابسهم الفاخرة يتظاهرون بأهمية لا يملكونها. كل شيء كان منظماً، مرتباً، مملوءاً بالطقوس والتقاليد التي لا معنى لها إلا لمن يعيشون داخلها.
كان الحفل السنوي على وشك البدء. المناسبة: ذكرى تتويج الإمبراطور أندريان. كل سنة، في هذا اليوم، كان القصر يتحول إلى مسرح كبير. الأنوار الذهبية تتدلى من السقوف العالية، تلمع كالنجوم في سماء مصطنعة. الموسيقى الهادئة تعزف في الخلفية، لحن رتيب يكرر نفسه بلا ملل. النبلاء يتجمعون في قاعة الاحتفالات بملابسهم الفاخرة، كل واحد يحاول أن يظهر أفضل من الآخر. الجميع يبتسمون، الجميع يتظاهرون بالسعادة، الجميع يلعبون دورهم على أكمل وجه.
في زاوية منعزلة من القاعة، وقف الكونت نيون فروست. بدلته الأنيقة السوداء، شاراته البيضاء النقية، وقفته المهيبة. كان يشرب كأساً من النبيذ الفاخر، وعيناه ت追随ان الحشود. لكنه لم يكن يرى الحشود. كان يرى وجوههم كأقنعة، وحركاتهم كرقص بيادق على رقعة شطرنج. كان يرى الخيوط غير المرئية التي تتحكم في كل واحد منهم. وكان يرى نفسه أيضاً، يقف هناك، قناعاً آخر في حفل أقنعة.
"الكونت!" نادى عليه أحد النبلاء بصوت عالٍ. "تعال شاركنا الحديث!"
ابتسم جيمي ابتسامته الرسمية. "في لحظة يا عزيزي. أنا فقط أستمتع بالموسيقى."
ابتعد النبيل بعد انحناءة خفيفة. عاد جيمي إلى شرابه وإلى تأملاته. كان يفكر في زيرو. في إليا. في الرقم صفر. في كل الخيوط التي تتشابك في هذه اللعبة الكبرى.
اقترب منه خادم وانحنى باحترام: "سعادة الكونت، الإمبراطور يطلبك."
نزل الكأس من يده ببطء. وضعه على طاولة قريبة. "الآن؟"
"نعم يا سعادة. إنه في غرفته الخاصة. قال إن الأمر عاجل."
تنهد جيمي داخلياً. تبع الخادم عبر الممرات الطويلة المتعرجة. مرا بقاعات فخمة، بسلالم رخامية، بثريات كريستالية. كل شيء كان يلمع، كل شيء كان باهظ الثمن، كل شيء كان يصرخ بالثروة والسلطة. لكن جيمي كان يعرف أن تحت هذا البريق، كان هناك فساد عميق، ودماء كثيرة، وأسرار لا تُحصى.
وصلا إلى باب الإمبراطور الخاص. باب ضخم من خشب الأبنوس، منقوش عليه رسوم لتنانين ومعارك قديمة. طرق الخادم برفق. فتح الباب من الداخل.
دخل جيمي.
الإمبراطور أندريان كان جالساً على كرسيه الضخم، أمامه طاولة ضخمة مليئة بالخرائط والوثائق والأختام الشمعية. لم يرفع رأسه عندما دخل جيمي. كان يقرأ وثيقة باهتمام. قال ببرود، دون أن ينظر إليه: "أغلق الباب."
فعل جيمي. وقف أمام الإمبراطور في صمت. انتظر.
دقيقة. دقيقتان. الإمبراطور يواصل القراءة، يتظاهر بأن جيمي غير موجود. كانت هذه إحدى ألعابه المفضلة: جعل الناس ينتظرون، يشعرون بعدم الأهمية، يشعرون بأن وقتهم لا يساوي شيئاً.
رفع الإمبراطور رأسه أخيراً. عيناه كانتا باردتين، رماديتين، كأنهما لا تنتميان لإنسان. كأنهما تنتميان لشيء آخر. لحيوان مفترس. قال بصوت مسطح، خالٍ من أي نبرة عاطفية: "سمعت أن ابنتي تقابل شخصاً غريباً في الحديقة."
تمالك جيمي أعصابه. كان يعلم أن هذا اليوم سيأتي. "مجرد شاب غريب الأطوار يا مولاي. لا يشكل أي تهديد."
"من هو؟"
"لا أعرف. غريب. يبدو بلا مأوى. الأميرة تشعر بالشفقة عليه."
"الشفقة." كرر الإمبراطور الكلمة وكأنها تعفنت في فمه. "الشفقة عاطفة لا تليق بمن ستصبح إمبراطورة."
صمت جيمي. لم يعرف كيف يرد.
نظر إليه الإمبراطور طويلاً. ثم قال: "اقتله."
تجمد جيمي مكانه. للحظة، شعر بأن قلبه توقف. بأن الزمن توقف. بأن العالم كله توقف. "مولاي..." قال بصوت بالكاد يخرج. "إنه... إنه مجرد شاب بسيط. قتله..."
"قتله ماذا؟" قاطعه الإمبراطور. "سيؤذي الأميرة؟"
سكت جيمي. كان يعلم أن أي كلمة قد تكون آخر كلمة ينطقها.
نظر إليه الإمبراطور بعينين باردتين. لا شيء فيهما سوى الحساب البارد. "وهل يهمني أذاها؟ المهم أن تكون آمنة لعقد الزواج. أي علاقة عاطفية خارج إطار الخطة... تهدد الصفقة. وأنا لا أسمح لأي شيء بتهديد صفقاتي."
أخذ جيمي نفساً عميقاً. كان يعلم أن أي معارضة مباشرة قد تعني موته. لكنه أيضاً كان يعلم أن زيرو... لا يمكن قتله بهذه السهولة. وأن إليا... تلك الطفلة المسكينة... تستحق على الأقل صديقاً واحداً في هذا القصر الجليدي.
"سأتعامل مع الأمر يا مولاي." قال جيمي بصوت هادئ، محايد. "ولكن ليس بالقتل. النفي يكفي. سأبعده عن القصر، ولن يقترب من الأميرة مرة أخرى. إذا قتلناه، قد تزداد تعلقاً بذكراه. النسيان أسهل من الحزن."
نظر إليه الإمبراطور طويلاً. صمت ثقيل ملأ الغرفة. كان جيمي يشعر بثقل تلك النظرة، كأنها توزن روحه على ميزان. ثم قال الإمبراطور: "افعل ما تراه مناسباً. لكن إن رأيته مرة أخرى... سأقتله بيدي. وربما أقتلها أيضاً. أنا لا أهدد يا كونت. أنا أعد."
انحنى جيمي بطاعة. انحناءة عميقة، طويلة. "كما تطلب يا مولاي."
خرج من الغرفة، والمشاعر تتلاطم في داخله كأمواج في بحر هائج. غضب. خوف. حزن. شفقة. اشمئزاز. سار في الممرات بخطوات سريعة، لا يرى أحداً، لا يسمع أحداً. كان يفكر في الإمبراطور، في عينيه الباردتين، في كلماته الجليدية. "ربما أقتلها أيضاً." كيف لأب أن يقول هذا عن ابنته؟
وصل إلى شرفة تطل على الحديقة الخلفية. توقف هناك ليأخذ نفساً. الهواء البارد دخل رئتيه، هدأ أعصابه قليلاً. نظر إلى الأسفل. إلى الحديقة.
وهناك، من بعيد، رآهما.
إليا جالسة على مقعد حجري تحت شجرة عتيقة. وزيرو واقف بجانبها. كانت تتحدث، وهو يصغي بانتباه. كانت تضحك، وهو يبتسم. كانت تمسح دمعة، وهو يمد يده ليمسح الأخرى. كانا يبدوان... طبيعيين. كصديقين عاديين. كأخ وأخته. كشيء نادر وجميل في هذا العالم القاسي.
همس جيمي لنفسه، بصوت لا يسمعه أحد: "هذا هو والدك يا إليا. وهذا هو العالم الذي نعيش فيه. زيرو... احرسها جيداً. لأني لا أستطيع. لأن يدي مقيدتان. لأن وجهي الآخر هو الكونت الذي يجب أن يطيع."
وقف هناك طويلاً، يراقبهما. ثم اختفى في الظل، عائداً إلى الحفل، إلى قناعه، إلى واجبه.
---
في الحديقة، كانت إليا تمسح دمعتها بسرعة. حاولت أن تبتسم، لكن الابتسامة لم تكتمل.
"أبي يريد تزويجي لابن إمبراطورية مجاورة." قالت بصوت مبحوح، تكاد تختنق بالكلمات. "لا أعرفه. لم أره في حياتي. كل ما أعرفه أنه أمير، وأنه ثري، وأن أبي يريد تحالفاً مع أبيه. لا يهم إن كان طيباً أو شريراً، جميلاً أو قبيحاً، صغيراً أو كبيراً. لا يهم رأيي. لا يهم مشاعري. المهم أن الصفقة تتم."
نظر إليها زيرو بعينيه الغريبتين. الحمراء والسوداء. كانتا تلمعان في ضوء الشمس الخافت. "هل تريدين الزواج منه؟"
نظرت إليه إليا باستغراب. "بالطبع لا!"
"إذن لا تتزوجيه."
ضحكت إليا. ضحكة قصيرة، مريرة، باكية. "الأمر ليس بهذه السهولة يا زيرو. أنت لا تعرف أبي. أنت لا تعرف كيف يعاقب من يعصيه. أنت لا تعرف..."
"لا أعرف ماذا؟" قاطعها زيرو بلطف.
نظرت إليه. إلى عينيه الغريبتين. إلى وجهه الذي لا يشبه الوجوه. إلى وجوده الغامض الذي يمنحها شعوراً بالأمان لم تشعر به من قبل.
"لا تعرف كيف يكون أن تكون وحيداً." همست.
جلس زيرو على العشب أمامها. رفع رأسه إليها. كان العشب ندياً، بارداً، لكنه لم يهتم. قال بصوت هادئ، عميق، كأنه قادم من مكان بعيد: "اسمعيني يا إليا. لا أعرف من أنا حقاً. لا أعرف من أين أتيت. لا أعرف لماذا أنا هنا. لكني أعرف شيئاً واحداً: لا أحد يستحق أن يعيش كسلعة. ولا أحد يملك الحق في أن يجعل من إنسان قطعة على رقعة شطرنج. حتى لو كان هذا الإنسان أباً. حتى لو كان إمبراطوراً."
نظرت إليه إليا منتفضة. كلماته كانت تلامس شيئاً عميقاً في داخلها. "وأنت؟ ألست قطعة على رقعة أحدهم؟"
صمت زيرو. للحظة، بدت عيناه بعيدتين، كأنهما تران شيئاً لا تراه هي. كأنهما تخترقان الزمن، تران الماضي والمستقبل في لحظة واحدة. ثم عادتا إليها. قال: "ربما. لكني على الأقل أعرف أني قطعة. وهذه المعرفة... تمنحني نوعاً من الحرية."
"حرية ماذا؟"
"حرية أن أختار لمن أخدم. حتى لو كان خياري هو أن أخدم من أحب."
اقتربت إليا منه. نزلت عن المقعد الحجري، وجلست على العشب بجانبه. كانت العشب بارداً، لكن وجوده بجانبها كان دافئاً. نظرت إليه طويلاً. إلى عينيه الغريبتين. إلى وجهه الغامض. إلى هذا الكائن الذي جاء من العدم، أنقذها من الخاطفين، وأصبح صديقها الوحيد.
"هل تعدني بشيء؟" سألت بصوت خافت.
"أي شيء."
"عدني أنك ستحميني. من أبي. من السفراء. من كل من يريد إيذائي. من كل من يريد استخدامي."
نظر إليها زيرو طويلاً. رأى في عينيها خوفاً عميقاً، وأملاً صغيراً. رأى طفلة تبحث عن أب حقيقي. رأى نفسه. أو ما يتذكره من نفسه. أو ما يظن أنه هو.
"أعدك." قال بصوت هادئ، لكنه كان يحمل وزناً لا يوصف. "بحياتي. أو بموتي. أو بما بينهما."
مدت يدها الصغيرة. أمسك بها. للحظة، شعر كلاهما بدفء غريب. دفء لا يأتي من الشمس، ولا من الجسد، بل من مكان آخر. من مكان عميق في الروح. كأن الكون توقف عن الدوران ليمنحهما هذه اللحظة.
جلسا هناك طويلاً، صامتين، ينظران إلى الأشجار، إلى السماء، إلى الغيوم التي تمر ببطء. كانا يشعران بأن العالم من حولهما قد تلاشى، وأنه لم يبق سواهما. هي ورفيقها الغامض.
من بعيد، كان زين يراقبهما.
الشاب الجميل الذي كان مع إليا قبل أيام. كان واقفاً خلف شجرة كبيرة، بعيداً بما يكفي لئلا يُرى، قريباً بما يكفي ليرى كل شيء. عيناه تلمعان بفضول، وابتسامة غامضة ترتسم على شفتيه. رأى زيرو، رأى إليا، رأى يديهما المتشابكتين.
"مثير للاهتمام." همس لنفسه. "هذا الغريب... ليس عادياً. وعيناه... رأيت عيوناً كهذه من قبل. لكن أين؟"
فكر طويلاً. بحث في ذاكرته. ثم تذكر.
في حلم. في كابوس. في رؤيا رأها منذ سنوات. رأى فيها رجلاً بعيون مختلفة، يقف على قمة جبل، وينظر إلى عالم يحترق. وكان الرجل يقول: "سأعيد ضبط كل شيء."
ارتجف زين. نظر إلى زيرو مرة أخرى. ثم اختفى بين الظلال، كأنه لم يكن موجوداً. لكنه قرر في داخله: سأعرف من أنت. سأعرف سرك.
---
في مكان بعيد، خارج الزمن والمكان، كان الكيان الغامض يجلس أمام مئات المرايا. المرايا كانت معلقة في الهواء، لا شيء يحملها، تدور ببطء في فضاء لا نهائي. كل مرآة تعكس مشهداً مختلفاً. مشاهد من الماضي، من الحاضر، من المستقبل. مشاهد من هذا العالم ومن عوالم أخرى.
في إحداها، رأى زيرو وإليا في الحديقة. رأى يديهما المتشابكتين. رأى الدفء في عيون زيرو. ابتسم. "مثير للاهتمام. يبدأ بالشعور. يبدأ بالحب. هذا خطر. لكنه أيضاً فرصة."
في أخرى، رأى الرقم صفر واقفاً أمام زيرو النائم. رأى الخوف في عينيه، رغم أنه كان يحاول إخفاءه. "الخوف. دائماً الخوف. كل نسخة تخاف من التي تليها."
في ثالثة، رأى جيمي يتحدث مع الإمبراطور. رأى البرود في عيني الإمبراطور، والصراع في عيني جيمي. "الإنسان. دائماً الإنسان. يحاول أن يكون طيباً في عالم لا يرحم."
رفع يده، وأشار إلى مرآة واحدة. تكبرت حتى أصبحت بحجم جدار. فيها، رأى الرقم صفر الأول. المؤسس. الأب. الجالس على عرش من جماجم النسخ. كانت جماجم تلمع كاللآلئ، تروي قصص موت لا تُحصى. كان وجهه مغطى بظل كثيف، لكن عينيه كانتا تلمعان. عينان حمراء وزرقاء، أعمق وأقدم من أي عيون رآها أحد.
"أيتها النسخة رقم ٣٧٤." همس الكيان. "لقد اقتربت من الحقيقة. تقترب أكثر كل يوم. لكن الحقيقة... ليست ما تظن. الحقيقة ليست أنك مجرد نسخة. الحقيقة أنك لم تكن موجوداً أصلاً."
نظر إلى مرآة أخرى. فيها، كان زيرو يبتسم لإليا. ابتسامة بريئة، طفولية، لا تشبه ابتسامات الرقم صفر الباردة أبداً.
"وهذه النسخة الجديدة... بدأت تشعر. بدأت تحب. هذا خطر كبير. العواطف تخلق الفوضى. لكن الفوضى... قد تكون ما نحتاجه."
أغمض عينيه للحظة. عندما فتحهما، كانت كل المرايا قد أغلقت إلا واحدة. تعكس الرقم صفر الحالي وهو ينظر إلى زيرو. كان ينظر إليه بحيرة، وخوف، وحنين، وكراهية. كل المشاعر التي لا يعترف بها كانت هناك، في تلك النظرة الواحدة.
"قريباً ستعرف." همس الكيان. "قريباً ستعرف من أنت حقاً. وقريباً... سأبدأ من جديد."
ثم أشار بيده، وانطفأت المرايا واحدة تلو الأخرى. بقي في الظلام وحده، ينتظر.
---
في الغرفة العميقة، فجأة، وبدون مقدمات، ارتعش إصبع زيرو الخنصر مرة أخرى. هذه المرة، كانت الرعشة أقوى. استمرت لثانية كاملة.
الرقم صفر رآها. جمد مكانه. قلبه، الذي لا يعتقد أنه ينبض، شعر بنبض قوي.
"لا..." همس. "ليس الآن. ليس بعد. لم أستعد بعد."
لكن زيرو عاد إلى سكونه. كما لو أن شيئاً لم يحدث. تنفسه عاد إلى انتظامه. عيناه بقيتا مغمضتين. ظله عاد إلى حجمه الطبيعي.
الرقم صفر تنفس بعمق. كان يعلم أن العودة قادمة. كان يعلم أن الوقت ينفد. كان يعلم أن كل شيء على وشك الانهيار.
نظر إلى يده. إلى القفاز الأبيض الجديد. كان لا يزال نقياً، لا تشققات فيه. لكنه شعر بها. شعر بالشقوق تحت الجلد، تحت اللحم، تحت العظام. شعر بأن كل شيء يتشقق من الداخل.
"استعد يا جيمي." همس. "استعد للأسوأ. لأنه قادم. ولا أحد يستطيع إيقافه."
في الخارج، بدأت السماء تمطر. لكن القطرات كانت غريبة. كانت تتوقف في الهواء للحظة قبل أن تسقط. كأن الزمن يتردد. كأن العالم نفسه يحبس أنفاسه.
وفي زقاق مظلم، كان إدوارد يقف وحده، ينظر إلى السماء. الحجر البنفسجي في يده كان يتوهج بشدة. كان يشعر بأن شيئاً كبيراً يحدث. كان يشعر بأن اللعبة على وشك أن تبدأ من جديد.
"تعال." همس. "تعال يا من تتحرك في الظلال. أنا جاهز."
لم يجب أحد. لكن الرياح عوَتْ فجأة، كأنها تجيب نيابة عن كل الغائبين.
---
نهاية الفصل السابع.
عندما يواجهون المجهول: يتجاهلونه حتى يختفي، أو حتى يلتهمهم.
في الحي القديم، حيث المنازل مبنية من حجر أصفر باهت والشوارع مرصوفة بحجارة بالية، تجمعت مجموعة من الرجال في قبو منزل مهجور. كانوا يهمسون، يتبادلون النظرات، يتحسسون أسلحتهم الخفية. كانوا ينتظرون.
فتح الباب. دخل رجل ضخم الجثة، بوجه خشن ولحية كثيفة. نظر إليهم بعينين تقدحان عزيمة. قال بصوت منخفض: "حان الوقت."
كان هذا الرجل هو فارس. قائد مجموعة المقاومة. رجل قضى عمره يقاتل ظلماً لا يفهم مصدره، لكنه تعلم مؤخراً أن وراء كل شيء هناك منظمة. منظمة تتحكم في كل شيء.
تقدم منه شاب آخر، وسيم الملامح، لكن عينيه تحملان نظرة قاتل. "كل شيء جاهز." قال. كان هذا ليث. المقاتل الأقوى في المجموعة. لقبه "الأسد" لم يأت من فراغ.
سأل فارس: "والأرقام؟"
أجاب ليث: "الرقم اثنان وثلاثة وخمسة معنا. باقي الأرقام خائفون. بعضهم مع الرقم واحد، وبعضهم يختبئ."
"والرقم واحد نفسه؟"
"غامض كالعادة. لا نعرف موقفه."
تنهد فارس. "الرقم واحد لغز. لا يمكن الوثوق به، لكنه قد يكون حليفاً قيماً."
تقدم شاب ثالث. كان وجهه بريئاً طفولياً، لكنه حمل بين ذراعيه سلاحاً ثقيلاً. آدم. الأصغر في المجموعة، والأكثر دموية عندما يغضب. قال بصوت ناعم متناقض مع مظهره: "هناك شخص آخر. يريد مقابلتك."
"من؟"
"لا أعرف اسمه. لكنه قال إنه يعرف سر المنظمة. السر الحقيقي."
نظر فارس إلى ليث. تبادلا نظرات حذرة. ثم قال فارس: "أدخله."
دخل رجل بملابس بسيطة، بوجه عادي لا يلفت الانتباه. لكن عينيه... كانتا عميقتين، كأنهما رأتا أكثر مما ينبغي. وقف أمامهم دون خوف. قال: "اسمي سراج. وقد جئت لأخبركم أن ما تخططون له... ليس كافياً."
اقترب منه ليث بغضب. "ماذا تعرف أنت عن خططنا؟"
ابتسم سراج ابتسامة هادئة. "أعرف أنكم تخططون لمهاجمة المنظمة. أعرف أنكم تظنون أن تدميرها سيحرر العالم. لكني أعرف أيضاً أن المنظمة مجرد واجهة. العدو الحقيقي... في مكان آخر."
ساد الصمت. نظر فارس إلى سراج طويلاً. ثم قال: "وماذا تقترح؟"
"أن تنتظروا. أن تراقبوا. أن تفهموا من يحرك الخيوط حقاً. لأن من تظنونه عدوكم... قد يكون ضحية مثلكم."
---
في المبنى المهجور، كان الوضع يزداد سوءاً. الجدران تتشقق أكثر، والأرض تهتز بين الحين والآخر، والأجهزة تصدر أصواتاً لا تطاق. الأرقام المختبئة بدأت تفقد صبرها.
في غرفة الرقم ستة، كانت امرأة نحيفة بوجه طويل وشعر أشقر مصبوخ تجلس أمام شاشات المراقبة. كانت تبكي بصمت. كانت ترى على الشاشات أشياء لا تستطيع تفسيرها. صور من الماضي، من المستقبل، من أزمنة لا تنتمي لهذا العالم. كانت ترى نفسها تموت بطرق مختلفة. كانت ترى نفسها تحيا بطرق مختلفة. كانت ترى كل الاحتمالات في وقت واحد.
دخل عليها الرقم أربعة. الرجل الضخم بذراعين كجذوع الشجر. نظر إليها بحزن. "لا تبكي. البكاء لا يفيد."
رفعت رأسها إليه. "أراهم يموتون. أرانا جميعاً نموت. هل هذا هو المستقبل؟"
أجاب الرقم أربعة بصوت منخفض: "لا أدري. لكني أعرف أن البقاء هنا لن ينقذنا."
"ماذا تقترح؟"
"أن ننضم إليهم."
نظرت إليه بتوسل. "إلى المتمردين؟"
"نعم. إنهم خيارنا الوحيد."
ترددت. ثم أومأت برأسها. "متى؟"
"الآن."
---
في القاعة الرئيسية، كان الرقم اثنان واقفاً بانتظارهم. الرجل المسن بوجه متجعد ولحية بيضاء طويلة. كان يرتدي ثياباً بيضاء كالكفن. نظر إليهم عندما دخلا. قال: "أخيراً. بدأتم تفهمون."
سأل الرقم أربعة: "هل هم مستعدون لاستقبالنا؟"
"نعم. فارس وليث في انتظارنا. لكن هناك شرط."
"ما هو؟"
"أن نعترف بأن الرقم صفر ليس عدونا الوحيد. ربما... ليس عدونا أصلاً."
نظر الرقم أربعة والرقم ستة إلى بعضهما. لم يفهموا. لكنهما كانا مستعدين لفعل أي شيء للنجاة.
---
في مكان آخر، في زنزانة مظلمة تحت الأرض، كان الرقم اثنان محبوساً منذ أيام. الرجل المسن ذو اللحية البيضاء. كان جالساً في الزاوية، عيناه مغمضتان، يتأمل. لم يكن خائفاً. كان ينتظر.
فُتح الباب. دخل شخص بزي أسود. لم تكن ترى ملامحه بوضوح. لكن صوته كان عميقاً. "هل ندمت؟"
فتح الرقم اثنان عينيه. نظر إلى الزائر بابتسامة هادئة. "على ماذا أندم؟"
"على محاولة التمرد."
ضحك الرقم اثنان ضحكة خفيفة. "لم أتمرد. أنا فقط... اخترت الجانب الآخر."
"والجانب الآخر سيموت. كما مات كل من تمرد قبلك."
"ربما. لكني رأيت أشياء يا صاحبي. رأيت أن الرقم صفر الذي نخدمه... ليس الأول. رأيت أن هناك من سبقه. وأن من سبقه... ما زال هناك. ينتظر."
تجمد الزائر. "ماذا تقول؟"
ابتسم الرقم اثنان ابتسامة غامضة. "أقول إن اللعبة أكبر منا جميعاً. وأكبر من الرقم صفر. وأكبر من المنظمة. وأكبر من كل شيء."
اقترب الزائر منه. "من أخبرك بهذا؟"
"رأيته. في أحلامي. في رؤاي. في شقوق الواقع. رأيت الرقم صفر الأول جالساً على عرش من جماجم النسخ. رأيته يبتسم."
تراجع الزائر خطوة. كان يعرف أن الرقم اثنان لا يكذب. كان يعرف أن ما يقوله قد يكون حقيقة.
"سأبلغ الرقم صفر." قال.
"ابلغه." رد الرقم اثنان. "قل له إن ابنه في خطر. وإن الحفيد بدأ يستيقظ."
غادر الزائر مسرعاً. وبقي الرقم اثنان في زنزانته، يبتسم في الظلام.
---
في القصر الإمبراطوري، كان زين يمشي في الممرات بقلق. لم ينام منذ ليلتين. كان يفكر في زيرو، في إليا، في كل ما رآه. كان يشعر بأن هناك شيئاً خاطئاً في هذا الغريب. ليس خطأ بالمعنى الأخلاقي، بل خطأ في الوجود. كأنه لا ينتمي لهذا العالم.
وصل إلى غرفة إليا. دق الباب. فتحت له لارا.
"كيف حالها؟" سأل.
"نائمة. لم تنم البارحة. كانت تبكي طوال الليل."
دخل زين بهدوء. نظر إلى إليا نائمة على سريرها. وجهها كان شاحباً، وعيناها منتفختان من البكاء. جلس على كرسي بجانبها. انتظر.
بعد ساعة، فتحت عينيها. رأته. ابتسمت ابتسامة خفيفة. "زين... أنت هنا."
"أنا هنا. دائماً هنا."
جلست في سريرها. "أشعر بأني في كابوس. لا أستطيع الاستيقاظ."
أخذ زين يدها. "سأوقظك. أعدك."
نظرت إليه. "كيف؟"
صمت. لم يكن يعرف كيف. لكنه كان يعرف شيئاً واحداً: أنه سيحاول. بأي ثمن.
---
في الحديقة، كان زيرو واقفاً تحت الشجرة. كان يعرف أن إليا حزينة. كان يشعر بها. لكنه لم يستطع الذهاب إليها الآن. كان هناك من يراقبه.
التفت بسرعة. رأى ظلاً يختفي خلف شجرة. "أظهر نفسك." قال بصوت هادئ.
خرج زين من خلف الشجرة. كان خائفاً، لكنه حاول إظهار الشجاعة. "من أنت؟"
نظر إليه زيرو. رأى فيه شيئاً مألوفاً. شاباً طيباً، يحب إليا. قال: "صديق."
"صديق غريب. بعيون غريبة. بقدرات غريبة."
"وأنت؟ من أنت؟"
تقدم زين خطوة. "أنا من يحميها منذ كانت طفلة. أنا من يخاف عليها. أنا من يريد أن يعرف إن كنت خطراً عليها أم لا."
اقترب زيرو منه. كان الفارق في الطول بينهما بسيطاً. قال: "لست خطراً عليها. بالعكس. سأحميها."
"كيف؟ من أنت حتى تحميها؟"
صمت زيرو. ثم قال: "لا أعرف. لكني أعرف أني سأموت من أجلها. وهذا يكفي."
نظر زين إليه طويلاً. رأى في عينيه صدقاً لا يمكن تزييفه. تنهد. "أرجو أن تكون صادقاً. لأنها إن تألمت بسببك... سأقتلك."
ابتسم زيرو. ابتسامة خفيفة. "أتمنى أن تحاول."
تبادلوا نظرات طويلة. ثم اختفى زيرو بين الظلال. وبقي زين واقفاً تحت الشجرة، يتساءل من يكون هذا الغريب حقاً.
---
في مكان بعيد، في زنزانة الرقم اثنان، انفتح الباب فجأة. دخل شخص بملامح باردة، بعيون حمراء وزرقاء. الرقم صفر.
وقف الرقم اثنان باحترام. "سيدي."
نظر إليه الرقم صفر طويلاً. ثم قال: "أخبرني عن الرقم صفر الأول."
تردد الرقم اثنان. "سيدي... أنت تعرف..."
"لا أعرف. ذاكرتي مشوشة. أخبرني ما تعرف."
أخذ الرقم اثنان نفساً عميقاً. "الرقم صفر الأول... هو من خلق كل شيء. المنظمة. النسخ. اللعبة. هو من يحرك الخيوط من وراء الستار. وأنت... وأنت يا سيدي..."
"أنا ماذا؟"
"أنت مجرد نسخة. واحدة من مئات. وكل نسخة تظن أنها الأصل. حتى تأتي النسخة التالية... فتقتلها."
صمت الرقم صفر. كان يعرف هذا في أعماقه، لكن سماعه من شخص آخر كان كالطعنة.
"والرقم صفر الأول... أين هو؟"
"لا أحد يعرف. لكنه هناك. في مكان ما. خارج الزمن. يراقب. ينتظر."
نظر الرقم صفر إلى الرقم اثنان طويلاً. ثم قال: "سأتركك تعيش. لكن بشرط."
"ما هو؟"
"أن تكون عيني هناك. بين المتمردين. أخبرني بكل شيء."
انحنى الرقم اثنان. "سأفعل يا سيدي."
خرج الرقم صفر من الزنزانة. وبقي الرقم اثنان وحده، يبتسم في الظلام. كانت خطته تعمل.
---
في الخارج، بدأت السماء تمطر من جديد. لكن القطرات كانت دموعاً. دموعاً حقيقية. سقطت على المدينة، على الناس، على الظلال. بكى الجميع دون أن يعرفوا لماذا.
وفي زقاق مظلم، وقف إدوارد تحت المطر. الحجر البنفسجي في يده كان يتوهج بقوة. كان يشعر بأن كل الخيوط تتشابك. كان يشعر بأن اللحظة الحاسمة اقتربت.
نظر إلى السماء. إلى الدموع المتساقطة. وهمس: "أنا جاهز. فلتبدأ النهاية."
نهاية الفصل التاسع.
