Cherreads

Chapter 10 - الفصل العاشر: انعكاس الفراغ

الفصل العاشر: انعكاس الفراغ

المدينة لم تعد كما كانت. ليس لأن شيئاً تغير بشكل واضح، بل لأن كل شيء تغير بشكل غير مرئي، على مستوى أدق من الإدراك المباشر، على مستوى النسيان نفسه. الناس كانوا يمشون في الشوارع وكأنهم يسيرون على زجاج رقيق للغاية، يخشون أن يخطو خطوة ثقيلة فيكسر ما تحت أقدامهم، فيسقطون في هاوية لا قرار لها. كانوا ينظرون إلى السماء وكأنهم ينتظرون شيئاً أن يسقط، أو ربما ينتظرون شيئاً أن يرتفع. كانوا ينظرون إلى بعضهم وكأنهم يرون أشباحاً خلف الوجوه، وجوهاً أخرى تعيش تحت الجلد، تنتظر دورها لتظهر.

في السوق المركزي، حيث تتعالق الأصوات والروائح والوجوه في فوضى الحياة اليومية، توقفت حركة البيع والشراء فجأة. الباعة توقفوا عن مناداة الزبائن في منتصف الكلمة. الزبائن توقفوا عن المساومة وأيديهم لا تزال ممدودة نحو البضاعة. الكل نظر في اتجاه واحد. إلى السماء.

هناك، في كبد السماء، فوق قباب المدينة وأسواقها وأزقتها، كانت هناك سماء أخرى. سماء مقلوبة، تعكس المدينة تحتها كما تعكس البحيرة الهادئة وجه من ينظر إليها. لكنها لم تكن انعكاساً عادياً. الناس رأوا أنفسهم مقلوبين في تلك السماء، أرجلهم فوق رؤوسهم، رؤوسهم تلامس الأرض من الأسفل. لكن النسخ المقلوبة كانت تتحرك بشكل مختلف. كانت تمشي في اتجاهات معاكسة. كانت تتوقف عندما يمشون، وتمشي عندما يتوقفون. كانت تعيش حياة أخرى، حياة لا تشبه حياتهم، حياة موازية تتقاطع مع هذه اللحظة فقط، ثم ستنفصل مجدداً.

صرخ طفل صغير، وكان صوته حاداً كالسكين تقطع الصمت الثقيل: "أمي! انظري! هناك أنا آخر!"

أمه ضمته إلى صدرها بخوف، وقلبها يدق كالطبول في أذنيها. لم تستطع تفسير ما تراه. لم يستطع أحد تفسيره. حتى كبار السن، الذين عاصروا الحروب والكوارث ورأوا عجائب كثيرة، وقفوا عاجزين. لم تكن هذه ظاهرة طبيعية. لم تكن سحراً معروفاً. لم تكن حلماً جماعياً. كانت شيئاً آخر، شيئاً جديداً، شيئاً لا ينتمي إلى هذه الدنيا.

استمر المشهد لدقائق. ربما خمس دقائق، ربما عشرة، لكنها بدت كعمر كامل لكل من شاهدها. ثم اختفى فجأة، كما لو أن أحدهم أطفأ سراجاً كبيراً في السماء. عادت السماء إلى طبيعتها، زرقتها المعتادة، غيومها البيضاء العابرة. لكن السؤال بقي في كل عقل، ثقيلاً كالحجر: ماذا كان ذلك؟

---

في المبنى المهجور، حيث الجدران تتشقق والغبار يغطي كل شيء ككفن أبيض، كان الرقم صفر واقفاً أمام نافذة مكسورة، ينظر إلى السماء. لم يكن بحاجة إلى النظر كالبشر، كان يشعر بها، لكنه نظر كعادته، كتذكير لنفسه بأنه لا يزال جزءاً من هذا العالم المادي. رأى الانعكاس. رأى النسخ المقلوبة. عرف ما كان ذلك. عرف قبل أن يبدأ، وعرف ما سيأتي بعده.

"الفراغ." همس، وصوته كان خافتاً كحفيف أوراق الخريف. "بدأ يظهر."

خلفه، كان جيمي واقفاً، يداه مقبوضتان، جسده مشدود كوتر القوس. "ماذا يعني هذا؟"

"يعني أن الحدود بين العوالم بدأت تتهاوى. يعني أن الأوعية التي تحفظ واقعنا من الانهيار أصبحت أرق من أن تتحمل. يعني أن كل ما كنا نظنه مستقراً... أصبح على حافة الانهيار."

"وهل يمكننا إيقافه؟"

التفت الرقم صفر إليه. عيناه الحمراء والزرقاء كانتا تحترقان بنار باردة، نار لا تدفئ بل تحرق الروح. "لا. لا يمكن إيقافه. يمكن فقط... توجيهه."

"توجيهه إلى أين؟"

نظر الرقم صفر إلى الباب المغلق. إلى الغرفة العميقة حيث زيرو نائم، حيث الجسد الشاب يرقد كالأمير في قصة خرافية، لكن القصة ليست خرافية، بل حقيقة مرعبة. "إليه. هو المركز. هو المفتاح. هو النقطة التي يلتقي فيها كل شيء."

تقدم جيمي خطوة، وصوت حذائه على الأرضية الخشبية كان كالرصاصة في صمت الغرفة. "إذا استيقظ... ماذا سيحدث؟"

"سيحدث ما يحدث دائماً. ستبدأ دورة جديدة. سأموت أنا، أو ما تبقى مني. وسيظن نفسه الأول، بداية كل شيء، بينما هو مجرد تكرار. وسنكرر نفس الخطأ. مراراً. وتكراراً. بلا نهاية."

بكى جيمي. نعم، الشبح الأبيض بكى. لم يكن يبكي بدموع حقيقية، لكن عينيه كانتا تدمعان بسائل شفاف ساخن انهمر على خديه الأبيضين كالثلج. "كم مرة؟ كم مرة شهدت هذا؟"

نظر إليه الرقم صفر بحنان غريب، حنان لا ينبغي أن يكون في عيون من رأى ما رأى، وعاش ما عاش. نظر إليه كأب ينظر إلى ابنه الذي سيموت قبله، ويعرف أنه لا يستطيع فعل شيء. "لا أعرف. فقدت العد منذ زمن. كنت أحصي أولاً، في البدايات الأولى. بعد المرة المئة، توقفت. بعد المرة الألف، نسيت معنى الأعداد. لكني أعرف أنك كنت هناك في كل مرة. تشهد. تتألم. تنسى. تتذكر. تشهد من جديد."

"وأنا تعبت."

"أعرف. وأنا آسف."

ساد الصمت. ثم سمعا صوتاً من الغرفة العميقة. صوتاً خافتاً، بالكاد مسموع، كأن أحداً يئن في نومه، كأن أحداً يحلم حلماً سيئاً، كأن أحداً يعاني من ألم لا يطاق ولا يستطيع الهرب منه.

ركضوا إليه.

---

في الغرفة العميقة، حيث لا نوافذ ولا ضوء إلا ما يسرق من الباب المفتوح، كان زيرو يتحرك. نعم، يتحرك حقاً. كان يتقلب في مكانه على السرير الحديدي القديم، وجهه يعبس، جبينه يتصبب عرقاً، شفتاه تتحركان بكلمات غير مفهومة، كلمات من لغة لا يعرفها أحد، لغة من قبل اللغة. كان يئن بصوت خافت، صوت من يعاني في صمت. كان يحلم.

الرقم صفر وجيمي وقفا يراقبانه بصمت. كانا خائفين. كانا يعرفان أن هذه بداية النهاية. ليس نهاية العالم، بل نهاية هذا العالم، نهاية هذه الدورة، نهاية ما عرفاه وتألما فيه.

فجأة، فتح زيرو عينيه.

لا، لم يفتحهما بالكامل. فقط للحظة، للحظة قصيرة جداً، أسرع من طرفة عين، ارتفعت جفنيه وظهرت عيناه. عينان حمراء وزرقاء. نفس عيون الرقم صفر. نفس اللونين المتصارعين في مقلة واحدة، نفس النار الباردة، نفس الهاوية التي لا قرار لها. ثم أغلقتا من جديد.

لكن تلك اللحظة كانت كافية. كافية ليرى الرقم صفر نفسه في وجه آخر. كافية ليشعر بأن الموت يقترب، ليس الموت الجسدي، بل الموت الذي هو أعمق، موت الذات، موت ما تبقى من إنسانيته. كافية ليعرف أن الساعة قد دنت.

تراجع خطوة، وخطوته كانت ثقيلة كمن يحمل جبالاً على كتفيه. "إنه يستيقظ."

جيمي أمسكه من كتفه، وأصابعه البيضاء كانت ترتجف. "كم بقي؟"

"لا أدري. أيام. ساعات. ربما لحظات. في هذه الأمور، الزمن ليس كما نعرفه. قد يمتد لحظة واحدة فتصبح دهوراً، وقد ينكمش العمر كله في نبضة قلب."

نظر جيمي إلى زيرو. إلى ذلك الوجه الهادئ رغم التقلب، إلى تلك العيون المغلقة كمن يخاف مما سيراه إذا فتحها. وشعر بشيء غريب. حنان لمن لا يعرفه؟ خوف مما سيصبح؟ شفقة على من هو أقوى منه؟ لا يدري. كل المشاعر اختلطت فيه حتى لم يعد يميز شيئاً.

"ماذا نفعل؟"

نظر الرقم صفر إليه. نظرته كانت فارغة، كمرآة لا تعكس شيئاً لأنها رأت الكثير. "لا شيء. نشهد. هذا كل ما نفعله. لسنا أبطال هذه القصة. لسنا حتى رواة. نحن مجرد شهود. شهود على ما لا يستحق أن يشهد."

---

في مكان آخر، في شقة إدوارد التي كانت تعج بالكتب والأوراق والحجارة، كان إدوارد جالساً على الأرض، محاطاً بقطع من الورق مرسوم عليها دوائر وأسهم ورموز، دوائر داخل دوائر، أسهم تشتبك وتتقاطع، رموز لا تشبه أي كتابة عرفها البشر. كان يحاول فهم ما يراه في الحجر البنفسجي. كان يحاول فهم ما يحدث من حوله. كان يحاول فهم نفسه.

فجأة، توهج الحجر بقوة لا تطاق. أضاء الغرفة كلها بضوء بنفسجي غريب، ضوء ليس له مصدر، ضوء يأتي من داخل الحجر ومن داخل إدوارد نفسه. شعر إدوارد بأنه يُسحب إلى مكان آخر. إلى عالم آخر. إلى ما وراء العالم.

وجد نفسه واقفاً في فراغ مطلق. لا سماء، لا أرض، لا جدران، لا أفق. فقط فراغ أبيض لا نهاية له، أبيض أشد بياضاً من الثلج، أشد بياضاً من النور، أبيض يبهر العين ويخيف الروح. وأمامه... كان هناك شيء. شخص. عدة أشخاص.

نظر حوله. رأى نفسه. ليس مرة واحدة، بل آلاف المرات. آلاف النسخ من إدوارد، كل واحدة تعيش حياة مختلفة. بعضها كان ملوكاً على عروش من ذهب، بعضها كان عبيداً في سلاسل من حديد، بعضها كان قتلى تسيل دماؤهم على أرض لا تعرف الرحمة، بعضها كان أطفالاً يلعبون في حدائق لا تعرف الخوف، بعضها كان شيوخاً ينتظرون الموت على أسرة لا تعرف الدفء. كلهم ينظرون إليه. كلهم يعرفونه. كلهم هو.

"أي نسخة أنت؟" سألوه جميعاً بصوت واحد، صوت آلاف الحناجر، آلاف الأرواح، آلاف الحيوات في سؤال واحد.

تراجع إدوارد خائفاً، وقلبه يدق كأنه يريد الخروج من صدره. "أنا... أنا إدوارد. إدوارد أيتن هايم."

"كلنا إدوارد. كلنا أيتن هايم. أي نسخة أنت؟"

نظر إلى نفسه. إلى يديه المرتجفتين. إلى جسده الضعيف. إلى روحه التي لا تعرف شيئاً. "لا أدري."

"إذا كنت لا تدري... فأنت لا شيء."

بدأت النسخ تقترب منه. كانت تزحف عليه من كل اتجاه، تلمسه بأصابع باردة، تحيط به كجدار من لحم ودم وذكريات لا تعود له. شعر بالاختناق. شعر بأنه يختنق برائحة نفسه، بصوت نفسه، بوجود نفسه في كل مكان.

فجأة، سمع صوتاً. صوتاً مختلفاً. صوتاً دافئاً في هذا البرد الأبدي. صوتاً بشرياً في هذا الفراغ اللاإنساني. "إدوارد... عد."

نظر حوله. رأى نوراً في البعيد، نوراً ليس بنفسجياً ولا أبيض، نوراً دافئاً أصفر كالشمس، نوراً كالنافذة في سجن مظلم. ركض نحوه. ركض بكل قوته، بكل ما تبقى من إرادته. شعر بأن النسخ تتبعه، تمسك به، تحاول إيقافه، تحاول جره إلى أبديتها. لكنه واصل الركض. ركض حتى شعر بأن ساقيه ستسقطان، حتى شعر بأن قلبه سينفجر. حتى وصل إلى النور.

وفتح عينيه في غرفته. كان يتنفس بصعوبة، كمن خرج من تحت الماء بعد أن كاد يغرق. كان يبكي دون أن يشعر. كان يعرف الآن. يعرف أن ما يراه ليس حلماً. يعرف أن كل نسخه حقيقية. وأنه واحد من آلاف. وأنه لا يعرف أي واحد.

نظر إلى الحجر في يده. كان لا يزال يتوهج، لكن نوره أصبح خافتاً، كمن أنهكته الرؤيا. همس: "من أنا حقاً؟"

لم يجب أحد. لكنه شعر بأن الإجابة قريبة. قريبة جداً. ربما أقرب من نفسه.

---

في القصر الإمبراطوري، حيث الستائر الحريرية ترفرف على نوافذ من ذهب، كانت إليا نائمة في غرفتها. كانت تحلم. ترى نفسها واقفة أمام مرآة عملاقة، مرآة من فضة سوداء، لا تعكس إلا الظلال. في الانعكاس، رأت نفسها ملكة. متوجة بتاج من عظام. جالسة على عرش من أشواك. لكن عينيها كانتا فارغتين. ميتتين. عينان لا ترى بهما، لأن من ينظر من ورائهما ليس هي.

سمعت صوتاً من خلف المرآة، صوتاً عميقاً كالأرض حين تتشقق، كالجبال حين تتصدع: "هذا مستقبل واحد. هناك آلاف غيره."

التفتت. رأت شاباً لا تعرفه. شعر أسود كالليل بلا نجوم، عيون غريبة كأنها ترى ما لا يراه الآخرون، وجه حاد الملامح كمنحوت من صخر قديم. في يده حجر بنفسجي يتوهج بنور داخلي، نور كأنه قلب نابض.

"من أنت؟" سألت، وصوتها كان خافتاً في عظمة الحلم.

"أنا مثلك. أداة. فرق أنني بدأت أفهم."

"تفهم ماذا؟"

"أننا لسنا مجرد بيادق في لعبة لا نفهمها. يمكننا أن نكون فرساناً. يمكننا أن نغير مسار اللعبة. يمكننا أن نكتب قواعد جديدة."

اقترب منها. مد يده. في كفه، حجر صغير يشبه حجره، لكنه أصغر، أبهت، كأنه شقيق أصغر. قال: "خذي هذا. سيساعدك على الرؤية. سيساعدك على رؤية ما وراء المرآة. ما وراء القصر. ما وراء نفسك."

مدت إليا يدها. ترددت للحظة. ثم أخذت الحجر. شعرت بدفء غريب يسري في جسدها، دفء ليس من نار ولا من شمس، دفء من مصدر لا تعرفه. شعرت بأن عينيها تفتحان على شيء جديد، شيء كانت تراه دائماً لكنها لم تلاحظه.

وفتحت عينيها.

كانت في غرفتها. الستائر الحريرية لا تزال ترفرف. الشموع لا تزال تحترق. على منضدتها بجانب السرير، كان هناك حجر بنفسجي صغير. لم يكن هناك قبل النوم. لم يكن هناك قبل الحلم. لكنه الآن هناك، كأنه كان دائماً.

نظرت إليه برعب. ثم نظرت حولها. كانت وحدها. لكنها شعرت بأن هناك من يراقبها. شعرت بأن هناك عيوناً في الظلال، عيوناً في المرآة، عيوناً في داخلها. شعرت بأن زيرو قريب. قريب جداً.

همست: "زيرو... هل أنت هنا؟"

لم يجب أحد. لكن ظلها تحرك. للحظة، للحظة قصيرة، تشكل ظلها كهيئة بشرية، كهيئة رجل يقف خلفها، يمد يده إليها. ثم عاد إلى طبيعته، مجرد ظل على جدار.

عرفت إليا أن ما يحدث أكبر منها. أكبر من أبيها الإمبراطور، أكبر من القصر، أكبر من المدينة، أكبر من الجميع. وأنها أصبحت جزءاً منه. جزءاً من شيء لا تفهمه، لكنه يفهمها.

---

في الحديقة، حيث الأشجار العالية تهمس بأوراقها وأضواء المدينة البعيدة ترسم خطوطاً ذهبية على الأفق، كان زيرو واقفاً تحت الشجرة. كان يشعر بها. يشعر بخوفها وهي تلمس الحجر لأول مرة. يشعر بحيرتها وهي تنظر إلى ظلها. كان يعرف أنها رأت الحجر. كان يعرف أنها بدأت ترى. وكان يعرف أن هذا ليس خيراً.

ظهر خلفه زين، خطواته كانت خفيفة كالقط على الثلج. "أنت هنا دائماً."

لم يلتفت زيرو. عيناه كانتا مثبتتين على السماء، حيث اختفى الانعكاس. "أنا حيث يجب أن أكون."

"وهل يجب أن تكون هنا؟ هنا، معنا، في هذه الحديقة، في هذه المدينة؟"

التفت زيرو إليه. عيناه كانتا حزينتين، حزناً لا يعرف نهاية، حزناً أعمق من البحر. "لا أدري. لكني أشعر بأن هذا هو مكاني. أشعر بأنني انتمي إلى هنا. أشعر بأن هذه الحديقة، هذه الأشجار، هذا الهواء... هي كل ما تبقى لي من وطن."

اقترب زين منه، وصوته كان خافتاً كمن يخاف الإجابة. "ما أنت؟"

صمت زيرو طويلاً. طويلاً جداً. سكتت الريح، سكتت الأشجار، سكتت المدينة كلها في ذلك الصمت. ثم قال: "لا أعرف. لا أعرف ما أنا. لكني أعرف أني لست مثل الآخرين. أعرف أني أستطيع أشياء لا يستطيعونها. أعرف أن هناك من يخاف مني. وهناك من يريدني. وهناك من يريد استخدامي."

"ومن يريدك؟"

نظر زيرو إلى السماء. إلى الفراغ حيث كانت السماء المقلوبة. إلى ما وراء السماء. إلى ما وراء ما يراه البشر. "هم. الذين في الخلف. الذين يسحبون الخيوط. الذين لا نراهم لكنهم يروننا."

ارتجف زين، وارتجفت معه الأشجار. "وماذا تريد أنت؟"

نظر إليه زيرو. للحظة، للحظة قصيرة، رأى زين في عينيه شيئاً غريباً. ألماً عميقاً كجرح لا يلتئم. وحدة كعالم بلا نجوم. خوفاً كطفل في ظلام. أملاً كشروق بعد ليل أبدي. كل شيء معاً.

"أريد فقط... أن أعيش. أن أكون. أن أشعر. أن أحب. مثل أي إنسان. أن أكون إنساناً، ولو ليوم واحد."

ثم اختفى بين الظلال. اختفى كأنه لم يكن. وبقي زين واقفاً تحت الشجرة، يتساءل: هل يمكن لغير الإنسان أن يتمنى أن يكون إنساناً؟ وهل هذا التمني نفسه يجعله إنساناً؟

---

في مكان بعيد، في زنزانة الرقم اثنان، حيث الجدران تبتل بالرطوبة والهواء يخلو من الأوكسجين، كان الرجل المسن جالساً في الظلام. كان جالساً على الأرض الباردة، ظهره مستنداً إلى جدار لا يرحم، عيناه مغمضتان. لكنه كان يبتسم. كان يشعر بأن كل شيء يسير كما خطط. ليس كما خطط هو، بل كما خطط من هو أكبر منه.

فُتح الباب بصوت صرير حاد. دخل فارس. قائد المقاومة. رجل في مقتبل العمر، وجهه محفوف بالندوب، عيناه تعرفان الموت. نظر إلى الرقم اثنان. "أنت حر."

نهض الرقم اثنان ببطء، كمن يحمل جسده كحمل ثقيل. "أعرف."

"كيف عرفت أننا سنأتي؟"

"لأني أعرف أكثر مما تظنون. أعرف أن المتمردين سيأتون في هذه الليلة بالذات. أعرف أن الرقم صفر سيسمح بذلك لأنه يريدني خارج السجن. أعرف أن كل شيء يتحرك وفق خطة أكبر من خططنا جميعاً."

نظر إليه فارس بارتياب، يده على سيفه، جسده متأهب للقتال. "وما هي هذه الخطة؟"

اقترب منه الرقم اثنان، وخطواته كانت ثقيلة لكن عينيه كانتا متقدتين. همس بصوت كحفيف النار: "الرقم صفر الأول يعود."

تجمد فارس. توقفت يده على سيفه. توقف قلبه للحظة. "ماذا؟"

"نعم. الذي كان قبل كل النسخ. الذي خلق اللعبة قبل أن يعرف أحد أن هناك لعبة. الذي رسم الخريطة قبل أن توجد الأرض. إنه يعود. وسيعيد ضبط كل شيء."

"كيف تعرف؟ كيف تعرف هذه الأسرار؟"

ابتسم الرقم اثنان ابتسامة غامضة، ابتسامة من رأى ما لا ينبغي لأحد أن يراه. "لأني رأيته. في أحلامي التي ليست أحلاماً. في رؤاي التي هي أكثر حقيقة من هذا الواقع. في شقوق الواقع التي تظهر لمن يعرف كيف يرى. رأيته جالساً على عرشه في قلب الفراغ، ينتظر. ينتظر اللحظة المناسبة. والآن... بدأ يتحرك. بدأ يمد يديه إلينا."

ساد الصمت. كان فارس يحاول استيعاب ما سمعه. كان يعرف أن المنظمة شر، كان يعرف أن الرقم صفر عدو، كان يعرف أن هناك صراعات كبرى في الظل. لكنه لم يتخيل أبداً أن هناك ما هو أكبر. أقدم. أخطر. شيء كان موجوداً قبل أن توجد فكرة الخير والشر نفسها.

"ماذا نفعل؟ ماذا نفعل نحن البشر الصغار في هذه اللعبة الكبيرة؟"

نظر إليه الرقم اثنان بعينين رأتا الكثير. "ننتظر. ونشهد. ونختار جانبنا بحكمة. لأن الاختيار الخاطئ... يعني الموت. ليس الموت الذي نعرفه، الذي ينهي حياة ويبدأ أخرى. لا. الموت هنا يعني المحو. يعني أنك لم توجد أبداً. يعني أن كل نسخك في كل الأزمنة تموت معك. يعني النسيان الأبدي."

---

في الغرفة العميقة، كان زيرو يتحرك مرة أخرى. هذه المرة، كان تحركه أقوى. كان يتقلب بعنف، يتمتم بكلمات غير مفهومة لكنها كانت أوضح مما سبق، كلمات تتردد كالأصداء في غرفة فارغة. كان يعرق بغزارة، كان يئن بصوت أعلى، كان يقترب من حافة الوعي.

الرقم صفر وجيمي كانا لا يزالان هناك. يراقبان. ينتظران. يعرفان أن ما سيأتي لا مفر منه.

فجأة، فتح زيرو عينيه. كلتيهما. بالكامل.

نظر إلى الرقم صفر. نظر إلى جيمي. نظر إلى يديه. نظر إلى الغرفة. نظر إلى كل شيء كمن يراه لأول مرة. ثم قال بصوت خافت، متعب، غريب، صوت ليس له تماماً، صوت من يعود من مكان بعيد جداً: "أين أنا؟ من أنا؟"

تجمد الرقم صفر. كان يعرف أن هذه اللحظة ستأتي. كان يعرفها منذ ألف عام، منذ ألف دورة، منذ أن بدأ كل شيء. لكنه لم يكن مستعداً. لا يمكن لأحد أن يكون مستعداً لمواجهة نفسه.

اقترب من زيرو. جثا على ركبتيه أمامه. قال بصوت يرتجف: "أنت... أنا. أو ما كنت عليه. أو ما سأصبح. لا فرق. كلها أوهام. كلها أسماء لنفس الحقيقة."

نظر زيرو إليه. إلى عينيه الحمراء والزرقاء. رأى نفسه. رأى وجهه في مرآة غريبة. رأى ما كان، وما سيكون، وما لا يجب أن يكون.

"أنت..." همس. "أنت الرقم صفر."

"نعم."

"وأنا... أنا أيضاً؟"

صمت الرقم صفر. ثم أومأ برأسه ببطء، كمن يودع شخصاً لن يراه مجدداً.

نظر زيرو إلى يديه. إلى جسده الشاب. إلى العالم من حوله الذي بدأ يتشقق عند الحواف. بدأ يتذكر. لا، لم يكن يتذكر بالمعنى المعتاد. كان يشعر. يشعر بكل النسخ التي كانت قبله. بكل الآلام التي عانتها. بكل الموت الذي ماتته. بكل العودة التي عادتها. كان يشعر بهم جميعاً، آلاف الأرواح، آلاف الحيوات، كلها تعيش فيه في هذه اللحظة.

بكى. بكى زيرو. بكى كطفل فقد أمه في سوق مزدحم. بكى كرجل فقد نفسه في زحام الحياة. بكى كإله فقد إنسانيته في طريقه إلى الألوهية.

جيمي اقترب منه. وضع يده على كتفه. قال بصوت دافئ كالشمس بعد المطر: "مرحباً بك في الحقيقة. إنها مؤلمة. لكنها... هي كل ما لدينا. هي الحقيقة الوحيدة التي لا تكذب."

نظر زيرو إليه. إلى هذا الرجل الذي رآه يموت ويولد مراراً، الذي رآه في كل دورة، الذي كان الشاهد الأبدي على عبثيته. قال: "كم مرة؟ كم مرة حدث هذا؟"

"كثيرة. كثيرة جداً. أكثر من أن تعد. أكثر من أن تتخيل."

"وهل تتذكر كل مرة؟"

"نعم. هذه لعنتي. أن أتذكر كل شيء. أن أكون الوعي الذي لا ينام. أن أشهد على كل شيء ولا أستطيع تغيير شيء."

صمت الثلاثة. كل واحد غارق في أفكاره. في آلامه. في حقيقته. صمت طويل كصمت القبور، كصمت النجوم، كصمت ما قبل الخليقة.

ثم قال زيرو، وصوته كان أقوى قليلاً: "ماذا نفعل الآن؟"

نظر إليه الرقم صفر. نظر إلى من كانه ومن سيكون. قال: "ننتظر. فالرقم صفر الأول قادم. قادم من حيث لا نرى. وسيحتاج منا أن نختار. من سنكون؟ ضحايا في لعبة لا نفهمها؟ أم شهود على حقيقة لا تحتمل؟ أم... حراساً لحدود لا يجب أن تنكسر؟"

نظر زيرو إلى السماء من خلال النافذة المكسورة. رأى الفراغ. رأى الانعكاسات. رأى كل شيء ينهار ويعاد بناؤه في نفس الوقت. رأى الأكوان تولد وتموت كفقاعات صابون. رأى نفسه في كل مكان ولا مكان.

همس: "سأختار. لكن ليس الآن. الآن... أريد فقط أن أعيش. أن أتنفس. أن أشعر ببرد الريح على وجهي. أن أسمع صوت جيمي وهو يتحدث. أن أنظر إلى عينيك وأرى فيهما شيئاً غير الفراغ. أريد أن أعيش، ولو للحظة."

ابتسم الرقم صفر. ابتسامة حزينة كغروب الشمس في يوم خريفي. "عش إذن. عش هذه اللحظة. فهذه اللحظة... قد تكون آخر ما لدينا. آخر ما تبقى لنا من إنسانية قبل أن يبتلعنا الفراغ."

وفي الخارج، بدأت السماء تمطر من جديد. لكن القطرات كانت غريبة. لم تكن ماءً عادياً. كانت قطرات من ضوء سائل، تعكس وجوه من ليسوا هناك، تعكس حيوات لم تعش، تعكس عوالم لم توجد. كانت تحمل ذكريات من لم يعيشوا. كانت تحمل دموع من لم يولدوا بعد. كانت تحمل صرخات من لم يتألموا بعد.

المدينة كانت تنتظر. الجميع كان ينتظر. النهاية. أو البداية. أو ما بينهما. لا فرق.

كانوا ينتظرون ما سيأتي. وما سيأتي كان ينتظرهم أيضاً. في الفراغ. في الانعكاسات. في أعماق أنفسهم.

نهاية الفصل العاشر

More Chapters