الفصل الحادي عشر: بداية النهاية
المدينة كانت على موعد مع المجهول. منذ ذلك الانعكاس الغريب في السماء، والناس يسيرون وكأنهم في حلم. الكل يشعر بأن شيئاً عظيماً على وشك الحدوث. الكل ينتظر. لكن لا أحد يعرف ماذا ينتظر.
في الأسواق، توقف البيع والشراء. الباعة تركوا بضائعهم، والزبائن تركوا نقودهم، والكل خرج إلى الشوارع ينظر إلى السماء. كانت السماء صافية، زرقاء، عادية. لكن الجميع كان يشعر بأن هناك شيئاً خلف هذه الزرقة. شيئاً يتحرك. شيئاً يترقب.
الناس تجمعوا في مجموعات صغيرة، يهمسون، يشيرون إلى السماء، إلى الأرض، إلى الظلال التي لا تتبع أصحابها. الأطفال توقفوا عن اللعب، ترجموا ألعابهم ونظروا إلى آبائهم يتساءلون: "ماذا يحدث؟" لكن الآباء أنفسهم لم يكن لديهم جواب. العجائز جلسوا على عتبات بيوتهم، يحدقون في الأفق، كأنهم ينتظرون قديماً قد عاد. حتى الحيوانات كانت هادئة بشكل غريب. الكلاب لا تنبح. القطط لا تموء. الطيور لا تغرد. فقط الصمت. صمت ثقيل، كثيف، يملأ كل شيء.
في الحي القديم، حيث المنازل مبنية من حجر أصفر باهت وشهدت قروناً من التاريخ، كان الرجل العجوز يجلس على عتبة بيته كما كل يوم. لكنه اليوم كان مختلفاً. كان ينظر إلى السماء بعينين غائرتين، وكان يتمتم بكلمات لا يفهمها أحد. كان يحكي قصة قديمة، قصة سمعها من جده، الذي سمعها من جده، عن زمان كانت فيه السماء تفتح أبوابها وتنزل منها ملائكة أو شياطين، لا أحد يعرف.
اقترب منه جاره الشاب، شاب في الثلاثين من عمره، يعمل حداداً في السوق. جلس بجانبه وسأل: "عمي، ماذا ترى؟"
نظر إليه العجوز. عيناه كانتا تلمعان بدموع لم تسقط بعد. قال بصوت أجش: "أراهم يا بني. أراهم كلهم. الذين ماتوا. الذين سيولدون. الذين لم يولدوا بعد. كلهم هناك. في السماء. ينتظرون."
ارتجف الشاب. "من هم؟"
"الذين في الخلف. الذين يحركون الخيوط. إنهم يعدون العدة لشيء كبير. أشعر بذلك في عظامي. في دمي. في روحي."
نظر الشاب إلى السماء. لم يرَ شيئاً. لكنه شعر بها. شعر بثقل الأرواح. شعر بأن العالم أكبر مما يتصور. شعر بأن حياته الصغيرة مجرد نقطة في محيط لا نهائي.
"وماذا نفعل؟" سأل.
ابتسم العجوز ابتسامة غريبة. "لا شيء. نشهد. هذا كل ما نفعله دائماً. نحن البشر. نشهد. نعاني. نموت. ويأتي من بعدنا ليشهدوا ويعانوا ويموتوا. وهكذا دواليك."
بكى الشاب. لا يدري لماذا. لكنه بكى.
---
في المبنى المهجور، كانت الأجواء مشحونة بشكل لا يطاق. الأرقام المختبئة كانت تشعر بأن النهاية اقتربت. كانت تشعر بأن الجدران من حولها تتحرك، بأن الأرض تحت أقدامها تتنفس، بأن السقف فوق رؤوسها يوشك أن يسقط.
الرقم ستة كانت لا تزال تبكي أمام شاشاتها. كانت الشاشات تعرض صوراً لا تستطيع تفسيرها: مدن تحترق، أنهار من دم، أطفال يبكون، شيوخ يموتون، وعيون تطل من كل مكان. كانت تبكي ليس لأنها تخاف، بل لأنها تشعر بوجع العالم كله.
الرقم أربعة وقف عند الباب الرئيسي، لا يتحرك، لا يتكلم. كان ينظر إلى الباب المغلق وكأنه ينتظر شيئاً. كان يعرف أن ما سيأتي من ذلك الباب سيكون إما خلاصهم أو هلاكهم. كان مستعداً للاثنين.
الرقم سبعة وثمانية وتسعة كانوا في زاوية مظلمة، يتعانقون كالأطفال الخائفين. كانوا يسمعون أصواتاً لا يفهمونها، يرون ظلالاً لا تتبع أحداً، يشعرون بأن الزمن من حولهم يتباطأ ويتسارع بلا نظام.
في القاعة الرئيسية، كان الرقم واحد واقفاً. جيمي كوستراف. الشبح الأبيض. الرجل الذي شهد 999 مرة موت الرقم صفر وعودته. كان ينظر إلى الباب المؤدي إلى الغرفة العميقة. كان يعرف أن ما سيحدث هناك سيغير كل شيء. كان يعرف أن هذه المرة مختلفة. كان يشعر بها في دمه.
ظهر خلفه الرقم اثنان. الرجل المسن ذو اللحية البيضاء. كان قد خرج من زنزانته قبل ساعات، بعد أن أطلق سراحه المتمردون. مشى ببطء نحو جيمي، خطواته واثقة رغم كبر سنه. وقف بجانبه ونظر إلى الباب نفسه.
"إنه يستيقظ." قال الرقم اثنان بصوت هادئ.
لم يلتفت جيمي. "أعرف. أشعر به."
"وأنت؟ هل أنت مستعد؟"
التفت جيمي إليه. عيناه كانتا حمراوين من السهر، من البكاء، من الأرق. وجهه كان شاحباً أكثر من المعتاد. بدا كشبح حقيقي. قال: "لا أحد مستعد لهذا. ولا حتى هو."
"الرقم صفر؟"
"نعم. هو أقلنا استعداداً. لأنه يعرف الحقيقة أكثر منا. يعرف أن هذه المرة قد تكون الأخيرة."
اقترب الرقم اثنان منه. وضع يده على كتفه بحنان أبوي. "وما هي الحقيقة؟"
نظر جيمي إليه طويلاً. كان يفكر في كل القرون التي عاشها. في كل النسخ التي شهدها. في كل الموت الذي رآه. في كل الألم الذي تحمله. ثم قال بصوت خافت: "الحقيقة أننا كلنا بيادق. الفرق أن بعضنا يعرف، وبعضنا لا يعرف. ومن يعرف... يتألم أكثر."
صمت الرقم اثنان. كان يعرف هذه الحقيقة جيداً. كان يعرفها منذ أن رأى الرقم صفر الأول في أحلامه.
"ماذا سنفعل؟" سأل.
نظر جيمي إلى الباب. إلى ذلك الباب الخشبي العادي الذي يفصله عن الغرفة العميقة. عن زيرو. عن الرقم صفر. عن الحقيقة كلها.
"ننتظر." قال. "ونشهد. هذا كل ما نفعله دائماً."
---
في الغرفة العميقة، كان المشهد مختلفاً عن أي شيء تخيله أحد. زيرو كان جالساً في زاويته، لكنه لم يكن نائماً. عيناه كانتا مفتوحتين. نصف مفتوحتين. كانتا تلمعان في الظلام كنجمتين بعيدتين. كان ينظر إلى الرقم صفر الذي يقف أمامه.
كانا صامتين. ينظران إلى بعضهما. كل واحد يرى نفسه في الآخر. كل واحد يرى عدوه في الآخر. كل واحد يرى حقيقته في الآخر. كان المشهد يشبه مرآتين متقابلتين، تعكسان بعضهما إلى ما لا نهاية.
"أنت." قال زيرو بصوت خافت، متعب، كأنه قادم من مكان بعيد. "أنت من كنت أحلم به."
"وأنت." رد الرقم صفر. صوته كان هادئاً، لكن تحته كان هناك بحر من المشاعر المتضاربة. "أنت من كنت أخاف منه."
"لماذا تخاف مني؟"
اقترب الرقم صفر خطوة. خطوة واحدة فقط، لكنها كانت ثقيلة كأنها تخطو فوق جثث آلاف النسخ السابقة. "لأنك ستحل محلي. لأنك ستقتلني. كما قتلت أنا من قبلي. كما قتل من قبله من قبله. هذه هي الدورة. هذا هو القدر."
نظر زيرو إليه بحزن. حزن عميق، صادق، مؤلم. "لا أريد قتلك. أشعر بأن بيننا... لا أدري. رباطاً. قرابة. شيء لا أفهمه."
"لا يهم ما تريد. هذا هو القانون. كل نسخة تقتل التي قبلها. تظن نفسها الأصل. ثم تأتي التي بعدها فتقتلها. وهكذا دواليك. منذ الأزل. إلى الأبد."
"لكنني لا أشعر بأني قاتل. أشعر بأني... إنسان. أشعر بالخوف. بالحب. بالألم. كيف أكون قاتلاً وأنا أشعر بكل هذا؟"
ضحك الرقم صفر ضحكة مريرة، حزينة، كأنها تخرج من قبر. "لا أحد منا شعر بذلك. حتى نفعلها. ثم نندم. ثم ننسى. ثم نكرر. هذه هي اللعنة. أن ننسى. أن ننسى من كنا. أن ننسى ما فعلنا. أن ننسى من قتلنا. ثم نبدأ من جديد بضمير نظيف."
ساد الصمت. صمت طويل، ثقيل، كأن العالم توقف عن التنفس. كان الصوت الوحيد هو دقات قلبين لا ينبغي لهما أن ينبضا، لكنهما كانا ينبضان بقوة.
ثم قال زيرو: "ماذا لو كسرنا الدورة؟"
نظر إليه الرقم صفر باستغراب. صدمة. دهشة. لم يتوقع هذا السؤال أبداً. "كيف؟"
"لا أدري. لكني أشعر بأن هناك طريقة. أشعر بأننا لسنا مجبرين على تكرار نفس الأخطاء. أشعر بأن هناك خياراً آخر. ربما... ربما يمكننا أن نعيش معاً. أن نتعايش. أن نكون... إخوة."
اقترب الرقم صفر أكثر. جلس على الأرض أمام زيرو. لأول مرة منذ قرون، كانا على نفس المستوى. لا سيد ولا تابع. لا قاتل ولا ضحية. فقط رجلان يواجهان حقيقتهما. فقط نسختان من نفس الروح تبحثان عن معنى.
"أخبرني." قال الرقم صفر بصوت خافت. "ماذا ترى عندما تغمض عينيك؟"
أغمض زيرو عينيه. تنفس بعمق. ثم بدأ يتكلم بصوت يشبه الغناء البعيد: "أرى... نوراً. نوراً أبيض، دافئاً، جميلاً. وتحته ظل. ظل أسود، بارداً، مخيفاً. وأرى وجوهاً. كثيراً من الوجوه. مئات. آلاف. كلها تشبهني. كلها تشبهك. كلها تبكي. تبكي بدموع من نور. تبكي بدموع من ظل. تبكي لأنها تبحث عن نفسها. ولا تجد."
"وهل ترى طريقة للخروج؟"
"لا. لا أرى طريقة. لكني أرى شيئاً آخر. أرى... طفلة. طفلة صغيرة بشعر ذهبي وعيون زرقاء. تبكي. تبكي وحدها في غرفة كبيرة. وأنا أريد حمايتها. أريد أن أمسح دموعها. أريد أن أقول لها: لا تخافي. أنا هنا."
ابتسم الرقم صفر. ابتسامة حزينة، متعبة، لكن فيها دفء غريب. "إليا."
"نعم. من تكون؟"
"ابنة إمبراطور. طفلة بريئة في عالم قاس. أنت تحبها."
فتح زيرو عينيه. نظر إلى الرقم صفر. "وكيف تعرف؟"
"لأني أنت. وأنا أشعر بما تشعر. الفرق أنني نسيت كيف أحب. نسيت كيف أشعر. نسيت كيف أكون إنساناً. وأنت... لا تزال تتذكر. لا تزال تحتفظ بذلك الجزء مني الذي فقدته منذ زمن بعيد."
دموع تساقطت من عيني زيرو. لا يدري لماذا يبكي. لكنه بكى. بكى لكل السنوات التي عاشها ولم يعشها. لكل المشاعر التي شعر بها ولم يفهمها. لكل الحب الذي حمله ولم يجد له مكاناً.
مد الرقم صفر يده. لمس وجه زيرو. مسح دموعه. قال: "لا تبك. فدموعنا أغلى من أن نضيعها. نحن لا نبكي إلا نادراً. وعندما نبكي... يكون الأمر كبيراً."
أمسك زيرو بيده. نظر إليه. قال: "سأحميها. سأحمي إليا. وهذا سيكون... بدايتي."
"بدايتك؟"
"نعم. بداية أن أكون أنا. ليس نسخة. ليس ظلاً. ليس مجرد رقم. بل إنساناً. له مشاعر. له أحلام. له حب."
ابتسم الرقم صفر. "إذن ابدأ. احمها. أحبها. كن إنساناً. وأنا... سأبقى هنا. أحرس هذا المكان. أحرسك. أحرسنا."
"ولكن... ماذا عن الدورة؟ ماذا عن القتل؟ ماذا عن كل هذا؟"
"سنرى. ربما... ربما أنت من سيكسرها. ربما أنت من سيفعل ما لم أستطع فعله أنا وكل من قبلي."
نظر إليه زيرو طويلاً. ثم أومأ برأسه. "سأحاول."
"هذا كل ما نطلبه."
---
في القصر الإمبراطوري، كانت إليا تجلس في غرفتها، تحدق في الحجر البنفسجي الصغير الذي وضعته على منضدتها. كان يتوهج بضوء خافت، ينبض كقلب حي. كان ينبض بإيقاع يشبه نبض قلبها. كان ينبض وكأنه جزء منها.
كانت تفكر في زيرو. في عينيه الغريبتين. في صوته الهادئ. في حضنه الدافئ. كانت تفكر في كل مرة أنقذها فيها، في كل مرة جعلها تشعر بأنها إنسانة وليست سلعة.
دخلت لارا. كانت الوصيفة الوحيدة التي تثق بها إليا. كانت فتاة في مثل عمرها، بوجه طيب وعيون ذكية. اقتربت منها بحذر.
"سموك، الإمبراطور يطلبك."
تنهدت إليا. "ماذا الآن؟"
ترددت لارا. ثم قالت بصوت خافت: "السفراء عادوا. يريدون توقيع العقد النهائي. يقولون إنهم لا يستطيعون الانتظار أكثر. يقولون إن التأخير يهدد الصفقة."
شعرت إليا بأن قلبها يتوقف. بأن العالم من حولها ينهار. بأن كل ما بنته من أحلام يتحطم. نظرت إلى الحجر. للحظة، خيل إليها أنه يومئ لها. كأنه يقول: "خذيني معك. لا تخافي. أنا معك."
أخذت الحجر بيدها. شعرت بدفء غريب يسري في جسدها كله. شعرت بقوة غريبة تنبعث من أعماقها. شعرت بأنها ليست وحدها. نهضت ببطء، واتبعت لارا إلى قاعة المجلس.
في القاعة، كان المشهد مهيباً. الإمبراطور أندريان جالس على عرشه الذهبي، ووجهه كالتمثال، لا يظهر أي مشاعر. إلى جانبه، وقف مستشاروه وجنوده. وفي مقابلهم، وقف السفراء الثلاثة بوجوههم الجامدة، بعيونهم الباردة التي تفتش وتقيم وتحسب.
نظر إليها الإمبراطور بتلك النظرة الباردة التي تعرفها جيداً. نظرة لا تحب، لا تشفق، لا ترحم. قال بصوت مسطح: "تعالي يا ابنتي. حان وقت التوقيع."
تقدمت إليا ببطء. كانت تشعر بأن كل خطوة تقربها من السجن. من الموت. من لا شيء. كانت تشعر بأن الأرض تحت قدمها تبتلعها. بأن الجدران من حولها تضيق عليها. بأن الهواء في صدرها ينفد.
وقفت أمام الطاولة حيث العقد ممدود. نظرت إلى الكلمات. كانت تقرأها ولا تفهمها. كان كل شيء ضبابياً. كل شيء مشوشاً. كل شيء مؤلماً.
رفعت القلم. كانت يدها ترتجف بشدة. كان القلم ثقيلاً كأنه مصنوع من الرصاص. كانت تشعر بأن ألف عين تراقبها. ألف عين تنتظرها لتوقع على موتها.
وفجأة... سمعت صوتاً. صوتاً في رأسها. ليس كالأصوات العادية. كان صوتاً عميقاً، دافئاً، قادماً من مكان بعيد. صوت زيرو:
"لا تفعلي."
توقفت. تجمدت في مكانها. نظرت حولها. لم يرَ أحد شيئاً. لم يسمع أحد شيئاً. لكنها سمعته بوضوح. سمعته كأنه يقف بجانبها.
"لا تفعلي. أنا قادم."
سقط القلم من يدها. ارتطم بالأرض بصوت عالٍ في القاعة الصامتة. نظر إليها الإمبراطور بغضب لم تره من قبل. عيناه كادتا تشتعلان.
"ماذا تفعلين؟"
نظرت إليه إليا. للمرة الأولى في حياتها، نظرت إليه دون خوف. دون تردد. دون وجل. نظرت إليه كند لند. كإنسانة لإنسان.
"لا أستطيع يا أبي."
"ماذا؟!"
"لا أستطيع التوقيع. هذا ليس قدري. أنا لست سلعة. أنا لست قطعة لحم ت offered في سوق النخبة. أنا ابنة. أخت. إنسانة. ولي حق في أن أختار."
نهض الإمبراطور غاضباً. تقدم نحوها بخطوات سريعة. كان وجهه أحمر من الغضب. كانت يده مرفوعة كأنه سيضربها.
لكن قبل أن يصل إليها... قبل أن تلمس يدها وجهها... قبل أن يحدث أي شيء...
انفتح الباب.
باب القاعة الضخم، المصنوع من خشب الأبنوس الثقيل، انفتح فجأة وكأنه لا يزن شيئاً. ودخل... زيرو.
وقف هناك، في وسط القاعة، تحت الأضواء الذهبية، أمام كل هؤلاء النبلاء والحراس والسفراء. وقف هناك بعينيه الغريبتين، الحمراء والسوداء. بملابسه البسيطة. بوجوده الغامض الذي ملأ القاعة كلها.
نظر إلى الإمبراطور أولاً. نظرة طويلة، عميقة، كأنها تخترق روحه. ثم نظر إلى السفراء. نظرة جعلتهم يرتجفون في أماكنهم. ثم نظر إلى إليا. وهنا تغيرت نظرته. أصبحت دافئة، حنونة، إنسانية.
قال بصوت هادئ، لكنه ملأ القاعة كلها، ارتد من الجدران، عاد كصدى: "لن توقع. ولن تأخذوها. هذه نهاية القصة. هذه بداية الحكاية."
اندهش الجميع. الحراس تقدموا. لكنهم توقفوا عندما رأوا ظل زيرو. كان الظل يمتد في كل الاتجاهات، يلامس الجدران، يلامس الحراس، يلامس السفراء، يلامس الإمبراطور نفسه. وشعر الجميع ببرد غريب. برد ليس في الجسد، بل في الروح.
الإمبراطور نظر إليه بغضب لم يسبق له مثيل. "من أنت أيها الوغد؟ كيف تجرؤ على دخول قصري؟"
ابتسم زيرو. ابتسامة خفيفة، هادئة، واثقة. "لا أعرف من أنا. لكني أعرف أنني هنا لحمايتها. وهذا يكفي."
تقدم خطوة. ثم خطوة. ثم خطوة. بين الحراس المتجمدين. بين السفراء الخائفين. بين الإمبراطور الغاضب العاجز. وصل إلى إليا. وقف أمامها. نظر إليها.
كانت إليا تبكي. تبكي بدموع الفرح. بدموع الخوف. بدموع الحب. كلها معاً.
مد زيرو يده. أخذ يدها. كانت يدها ترتجف، لكن يديه كانتا ثابتتين، دافئتين، آمنتين.
قال: "تعالي."
ومشيا معاً. بين الحراس الذين لم يجرؤوا على التحرك. بين السفراء الذين تمنوا لو يختفون. بين الإمبراطور الذي صرخ بأوامره لكن لا أحد أطاع. خرجا من القاعة. خرجا من القصر. خرجا إلى الحرية.
في الخارج، كانت السماء تمطر. لكن القطرات كانت غريبة. كانت تعكس ألواناً غير موجودة. كانت تعكس وجوهاً غير مرئية. كانت تعكس عيوناً تتابعهم من مكان بعيد.
لكنهما لم يهتما. مشيا معاً تحت المطر. يداً بيد. قلباً بقلب. روحاً بروح.
قالت إليا: "شكراً لك."
قال زيرو: "لا تشكريني. أنت من أنقذتني."
"كيف؟"
"بأنك جعلتني أشعر أني إنسان. بأنك أحببتني. بأنك آمنت بي."
بكت إليا من جديد. لكن هذه المرة، كانت دموعاً مختلفة. دموع نقاء. دموع أمل. دموع بداية.
---
في المبنى المهجور، كان الرقم صفر يشعر بكل شيء. كان يشعر بزيرو وهو ينقذ إليا. كان يشعر بفرحته. كان يشعر بحبه. وكان يشعر بالغبن. بالحسد. بالوحدة.
كان جالساً على الأرض في الغرفة العميقة، ينظر إلى الفراغ. كان يشعر بأن قلبه، الذي لا يعتقد أنه ينبض، ينبض بألم. بألم لم يشعر به من قبل.
دخل جيمي. وقف بجانبه. لم يتكلم. فقط وقف.
قال الرقم صفر بصوت خافت: "إنه يحبها."
"أعرف."
"وهو سعيد. سعيد حقاً. للمرة الأولى منذ... لا أدري كم من الزمن. هو سعيد."
صمت جيمي. كان يعرف ما سيأتي.
"وأنا... لا أحب أحداً. لم أحب أحداً قط. كل من حولي إما يخافون مني، أو يريدون قتلي، أو يستخدمونني. لا أحد يحبني. لا أحد."
اقترب جيمي منه. جلس بجانبه على الأرض. وضع يده على كتفه. "لأنك لم تسمح لنفسك بذلك. الخوف يا سيدي. الخوف من الفقدان. الخوف من الألم. الخوف من أن تكون إنساناً."
نظر إليه الرقم صفر. عيناه كانتا دامعتين. نعم، الرقم صفر يبكي. دموع حقيقية. ساخنة. مؤلمة.
"وأنا تعبت من الخوف."
"إذن توقف."
"كيف؟ كيف أتوقف عن شيء كان جزءاً مني منذ الأزل؟"
ابتسم جيمي. ابتسامة حزينة، متعبة، لكن فيها دفء غريب. "ابدأ صغيراً. اشعر بشيء. أي شيء. حتى لو كان ألماً. حتى لو كان خوفاً. حتى لو كان غيرة. فقط... اشعر. لا تهرب. لا تكبت. لا تتجاهل. اشعر."
نظر الرقم صفر إلى يديه. إلى القفاز الأبيض الذي يخفي تشققاته. إلى الجلد الشاحب تحته. حاول أن يشعر. حاول أن يفتح قلبه.
شعر بشيء. غيرة؟ نعم. غيرة لأن زيرو لديه من يحبه. حزن؟ نعم. حزن لأنه وحيد. خوف؟ نعم. خوف من أن يبقى وحيداً إلى الأبد. وحنين؟ نعم. حنين إلى شيء لا يعرف ما هو.
وهذا كان كافياً. كان كافياً ليشعر بأنه حي. بأنه موجود. بأنه إنسان.
قال بصوت خافت: "أشعر. أشعر بأشياء كثيرة. إنه... مؤلم."
"أعرف." قال جيمي. "لكنه أجمل من الفراغ."
ابتسم الرقم صفر. ابتسامة خفيفة، بالكاد حركت شفتيه. لكنها كانت ابتسامة حقيقية. أول ابتسامة له منذ قرون.
"شكراً لك يا جيمي."
"لا تشكرني. هذا أقل ما يمكنني فعله لمن منحني الخلود."
نظر إليه الرقم صفر. "الخلود ليس نعمة. أنت تعرف هذا."
"أعرف. لكنه أيضاً ليس نقمة. هو فقط... ما نصنعه منه."
نظر الرقم صفر إلى الباب. إلى حيث ذهب زيرو. قال: "أتمنى له السعادة."
"وأنا أيضاً."
"وهل سيعود؟"
"لا أدري. لكني أعرف أنكما ستلتقيان مرة أخرى. في النهاية. أو في البداية. لا فرق."
---
في مكان بعيد، خارج الزمن والمكان، في فضاء لا نهائي حيث المرايا تطفو كالنجوم، كان الكيان الغامض يجلس على كرسي من ضوء وظل. كان يراقب كل شيء من خلال مراياه السحرية.
رأى زيرو وإليا يمشيان تحت المطر. رأى الرقم صفر يبكي لأول مرة. رأى جيمي يحتضنه. رأى إدوارد يخطط في الظل. رأى كل الخيوط تتشابك. كل الأقدار تلتقي. كل النهايات تقترب.
ابتسم. ابتسامة عريضة، مرعبة، سعيدة.
"جميل." همس. "جميل جداً. الدورة تقترب من نهايتها. والبداية الحقيقية... على وشك أن تبدأ."
نظر إلى أكبر المرايا. مرآة بحجم جدار، تؤطر مشهداً لا يصدق. فيها، رأى الرقم صفر الأول. المؤسس. الأب. الجالس على عرش من جماجم النسخ التي قتلها. كانت الجماجم تلمع كاللآلئ، كل واحدة تروي قصة موت. كل واحدة تذكر بتاريخ من الألم.
كان الرقم صفر الأول هادئاً. عيناه الحمراء والزرقاء كانتا مغمضتين. لكنه كان يشعر بكل شيء. كان يعرف أن أبناءه يقتربون.
نظر الكيان إلى المرآة. قال بصوت خافت: "استعد يا سيدي. أبناؤك قادمون. وهذه المرة... قد ينجحون. هذه المرة... قد يكسرون الدورة."
فتح الرقم صفر الأول عينيه. عينان حمراء وزرقاء، أعمق من أي عيون رآها أحد. أقدم من الزمن نفسه. نظر إلى الكيان من خلال المرآة. نظرته كانت ثقيلة، عميقة، مخيفة.
قال بصوت جعل المرايا ترتجف، جعل الفضاء يهتز، جعل الكيان نفسه يشعر بالخوف:
"دعهم يأتون. لقد كنت أنتظر منذ زمن طويل. دعهم يأتون. سأريهم من هو الأصل. سأريهم من هو البداية. سأريهم من هو النهاية."
وفي اللحظة التالية، أشار بيده. انطفأت كل المرايا. واحدة تلو الأخرى. حتى بقي الظلام وحده. ظلام كثيف، ثقيل، لا نهائي.
وفي هذا الظلام، كان هناك شيء يتحرك. شيء ينتظر. شيء يخطط.
شيء اسمه... الرقم صفر الأول.
---
نهاية الفصل الحادي عشر.
