الفصل الثاني عشر: صمت الشهود
المدينة كانت تئن. ليس من ألم جسدي، بل من وجع الوجود نفسه. الناس كانوا يسيرون في الشوارع وكأنهم أشباح، وجوههم شاحبة، عيونهم زائغة، خطواتهم ثقيلة. الكل يشعر بأن شيئاً فظيعاً على وشك الحدوث. الكل ينتظر. لكن لا أحد يعرف ماذا ينتظر.
في السوق المركزي، حيث كانت الحركة دائماً صاخبة، ساد الصمت فجأة. الباعة توقفوا عن مناداة الزبائن. الزبائن توقفوا عن المساومة. الكل نظر في اتجاه واحد. إلى السماء.
هناك، في كبد السماء، كانت هناك عين. عين عملاقة، تطل من خلف الغيوم، تنظر إلى المدينة. لم تكن عيناً بشرية. كانت عيناً من نور وظل، تلمع بلونين: أحمر وأزرق.
صرخ طفل: "أمي! انظري!"
أمه ضمته إلى صدرها بخوف. لم تستطع تفسير ما تراه. لم يستطع أحد تفسيره.
استمرت العين في النظر لدقائق. ثم اختفت فجأة. لكن السؤال بقي في كل عقل: ماذا كانت تلك العين؟
---
في المبنى المهجور، كان الرقم صفر واقفاً أمام النافذة المكسورة، ينظر إلى السماء. رأى العين. عرف معناها.
"إنه قادم." همس.
خلفه، وقف جيمي. "من؟"
"الأول. الرقم صفر الأول. الذي بدأ كل شيء."
ارتجف جيمي. كان يسمع عن الرقم صفر الأول منذ قرون، لكنه لم يره قط. كان يعرف أنه موجود في مكان ما، خارج الزمن، ينتظر.
"ماذا نفعل؟"
نظر الرقم صفر إليه. عيناه كانتا حمراء وزرقاء، تحترقان بعزيمة لم يرها جيمي من قبل. "نقاتل."
"نقاتل من؟"
"من كل شيء. من القدر. من الدورة. من أنفسنا."
قبل أن يرد جيمي، سمعا صوتاً من الخارج. صوت ارتطام. ثم صراخ. ثم طلقات نارية.
ركضا إلى الخارج.
---
في ساحة المبنى الخلفية، كان المشهد مرعباً. مجموعة من الرجال الملثمين كانوا يهاجمون المبنى. كانوا مسلحين بأسلحة غريبة، تطلق طلقات من نور وظل. كانوا يصرخون بأوامر بلغة لا تُفهم.
الأرقام المختبئة خرجت للدفاع عن نفسها. الرقم أربعة كان في المقدمة، بذراعيه الضخمتين، يصد الهجمات. الرقم ستة كانت تطلق النار من مسدسها بدقة. الرقم سبعة وثمانية وتسعة كانوا متحصنين خلف جدار، يطلقون النار بين الحين والآخر.
لكن المهاجمين كانوا أقوى. كانوا أسرع. كانوا أكثر.
الرقم صفر وجيمي دخلا المعركة بسرعة. الرقم صفر رفع يده، فأطلق موجة من الطاقة أسقطت ثلاثة من المهاجمين أرضاً. جيمي تحرك كالظل، مسدسه في يده، يطلق رصاصة تلو الأخرى بدقة قاتلة.
لكن المهاجمين كانوا يتجددون. كلما سقط واحد، ظهر اثنان مكانه.
اقترب جيمي من الرقم صفر وهو يلهث: "من هم؟"
نظر الرقم صفر إلى المهاجمين. رأى في عيونهم شيئاً مألوفاً. شيئاً مرعباً.
"إنهم... نحن. إنهم نسخ. نسخ منا. من أزمنة مختلفة. من أبعاد مختلفة."
"لكن كيف؟"
"الرقم صفر الأول. إنه يختبرنا. يريد أن يرى إن كنا نستحق المواجهة."
قبل أن ينتهي كلامه، سمعا صرخة. التفتا. رأوا الرقم سبعة يسقط أرضاً، والدم يتدفق من صدره. كانت رصاصة من نور اخترقت قلبه.
ركضت الرقم ستة نحوه. حملته بين ذراعيها. كان يلفظ أنفاسه الأخيرة.
"لا..." همست. "لا تتركني."
نظر إليها الرقم سبعة بعينين زائغتين. ابتسم ابتسامة خفيفة. ثم سكت. إلى الأبد.
صرخت الرقم ستة. صرخة ألم. صرخة غضب. صرخة ثأر.
وقفت. رفعت مسدسها. أطلقت النار بلا توقف. أسقطت ثلاثة من المهاجمين واحداً تلو الآخر.
لكن رصاصة من الظل أصابت ساقها. سقطت على الأرض وهي تتألم.
تقدم أحد المهاجمين نحوها. رفع سلاحه ليطلق الرصاصة القاتلة.
وفجأة... وقف الرقم صفر أمامها. واجه المهاجم. نظر إليه بعينيه الحمراء والزرقاء. قال بصوت هادئ، مخيف: "لن تلمسها."
المهاجم ضحك. "وما الذي ستفعله أيها النسخة؟"
الرقم صفر لم يجب. فقط رفع يده. وفي لحظة، تحول المهاجم إلى رماد. مجرد رماد تطاير في الهواء.
نظر الرقم صفر إلى المهاجمين الآخرين. قال: "من يريد أن يموت تالياً؟"
تراجعوا. نظروا إلى بعضهم. ثم اختفوا. كما جاءوا. فجأة. كأنهم لم يكونوا موجودين.
عاد الصمت. صمت ثقيل، كثيف، مليء بالدم والموت.
الرقم ستة كانت تبكي على جثة الرقم سبعة. الرقم ثمانية وتسعة كانا يحتضنان بعضهما بخوف. الرقم أربعة وقف ينظر إلى السماء، إلى حيث اختفت العين.
اقترب جيمي من الرقم صفر. قال بصوت خافت: "لقد بدأت."
نظر الرقم صفر إليه. "نعم. بدأت النهاية."
---
في القصر الإمبراطوري، كان الوضع مختلفاً. بعد هروب إليا مع زيرو، دبّت الفوضى في القصر. الإمبراطور أندريان كان في قاعة العرش وحده، يحدق في الباب الذي خرجت منه ابنته. كان غاضباً. غاضباً لدرجة أن عروق جبهته كادت تنفجر.
دخل عليه قائد الحراس. انحنى بخوف. "جلالتك... لقد بحثنا في كل مكان. لم نجدها."
نظر إليه الإمبراطور بنظرة قاتلة. "اذهب. ابحث. اقتل ذلك الغريب. وأعد ابنتي. حية أو ميتة. لا يهم."
تردد قائد الحراس. "جلالتك... هي ابنتك..."
وقف الإمبراطور. تقدم نحو قائد الحراس ببطء. وقف أمامه. قال بصوت هادئ مخيف: "ابنتي؟ لا. ابنتي كانت أداة. والآن الأداة ضاعت. يجب استعادتها. أو تدميرها. مفهوم؟"
ارتجف قائد الحراس. انحنى بسرعة. "مفهوم يا جلالتك."
خرج مسرعاً. وبقي الإمبراطور وحده. نظر إلى المرآة الكبيرة في القاعة. رأى انعكاسه. لكن الانعكاس كان يتحرك بشكل مختلف. كان يبتسم.
اقترب من المرآة. قال: "من أنت؟"
الانعكاس ضحك. "أنا أنت. أو ما ستصبح عليه. أو ما كنت عليه. لا فرق."
تراجع الإمبراطور خائفاً. لأول مرة في حياته، شعر بالخوف الحقيقي.
---
في منزل آمن على أطراف المدينة، كان زيرو وإليا جالسين معاً. كانا في غرفة صغيرة، بسيطة، دافئة. على الجدران، كانت هناك رسوم غريبة، دوائر وأسهم ورموز لا تفهمها إليا.
نظرت إليه. "أين نحن؟"
"مكان آمن. مكان لا يستطيعون الوصول إلينا فيه."
"من صنع هذا المكان؟"
صمت زيرو. ثم قال: "لا أعرف. لكني أعرف أنه آمن. أشعر بذلك."
اقتربت منه إليا. وضعت رأسها على كتفه. "أنا خائفة."
أحاطها بذراعه. "لا تخافي. أنا هنا."
"لكن إلى متى؟ إلى متى سنبقى هاربين؟ إلى متى سنختبئ؟"
نظر إليها زيرو. رأى في عينيها خوفاً عميقاً، وأملاً صغيراً. قال: "ليس للأبد. قريباً سينتهي كل شيء."
"كيف تعرف؟"
"لأني أشعر به. أشعر بأن النهاية قريبة. وأن البداية أقرب."
قبل أن ترد إليا، سمعا صوتاً من الخارج. صوت خطوات. خطوات ثقيلة، كثيرة، تقترب.
وقف زيرو بسرعة. أشار إليها بالصمت. اقترب من النافذة. نظر من خلال الستارة.
رأى عشرات الحراس محيطين بالمبنى. في مقدمتهم، قائد الحراس بوجهه القاسي.
التفت إلى إليا. "وجدونا."
شحب وجهها. "ماذا نفعل؟"
ابتسم زيرو. ابتسامة واثقة. "نقاتل."
نزل إلى الأسفل. وقف أمام الباب. انتظر.
سمع خطوات تقترب. ثم صوت قائد الحراس: "اقتحموا!"
انفتح الباب. دخل الحراس مسرعين. لكنهم توقفوا عندما رأوا زيرو واقفاً هناك، وحيداً، بلا سلاح، بلا خوف.
تقدم قائد الحراس. "أين الأميرة؟"
ابتسم زيرو. "ليست هنا."
"اكذب."
"لا أكذب. إنها ليست هنا. أنا هنا وحدي."
نظر قائد الحراس حوله. رأى سلماً يؤدي إلى الطابق العلوي. أشار لحراسه: "افحصوا الطابق العلوي."
تحرك الحراس نحو السلم. لكن زيرو وقف في طريقهم. قال بهدوء: "لا."
قائد الحراس ضحك. "وما الذي ستفعله؟ أنت واحد ونحن عشرات."
نظر زيرو إليه. عيناه الغريبتان كانتا تلمعان. قال: "يكفي."
وفي لحظة، تحرك. لم يرَ أحد حركته. لكن في ثانية، كان خمسة من الحراس على الأرض، يتألمون من ضربات سريعة وقاتلة.
الباقون تراجعوا. نظروا إليه بخوف.
قائد الحراس صرخ: "أطلقوا النار!"
أطلق الحراس النار. مئات الرصاصات اتجهت نحو زيرو. لكنه لم يصب. كان يتحرك كالظل، بين الرصاصات، تحت الرصاصات، فوق الرصاصات. كان كأنه ليس جسداً، بل فكرة.
في دقائق، كان كل الحراس على الأرض. بعضهم ميت، بعضهم جريح، بعضهم فاقد للوعي.
قائد الحراس كان الوحيد الذي بقي واقفاً. كان يرتجف خوفاً. سلاحه سقط من يده.
نظر إليه زيرو. قال: "اذهب. أخبر الإمبراطور أن ابنته لن تعود. وأنه إن أرسل أحداً آخر... سأقتلهم جميعاً. وأيضاً... أخبره أن النهاية قادمة. وأنه ليس مستعداً لها."
هرب قائد الحراس. ركض بكل قوته دون أن يلتفت.
صعد زيرو إلى الطابق العلوي. وجد إليا تبكي في الزاوية. اقترب منها. جلس بجانبها.
"انتهى الأمر. لا تخافي."
نظرت إليه. رأت الدماء على ملابسه. "هل أنت بخير؟"
"نعم. ليس دمي."
بكت إليا من جديد. لكن هذه المرة، كانت دموع فرح. دموع امتنان.
---
في المبنى المهجور، كان الجميع يجلسون في صمت. الرقم سبعة دفن قبل ساعات. الرقم ستة كانت لا تزال تبكي بصمت. الرقم أربعة وقف عند الباب، يحرس. الرقم ثمانية وتسعة كانا نائمين من الإرهاق.
الرقم صفر وجيمي كانا في الغرفة العميقة. كانا يخططان للخطوة التالية.
قال جيمي: "لقد بدأ الرقم صفر الأول هجومه. كانت تلك مجرد البداية."
"أعرف. سيرسل المزيد. أقوى. أكثر."
"ماذا نفعل؟"
نظر الرقم صفر إليه. "نجمع حلفاء. كل من يستطيع القتال. كل من يريد البقاء."
"ومن هم هؤلاء؟"
"إدوارد. زيرو. حتى إليا. كل شخص لديه قوة يمكن أن تساعد."
نظر جيمي إليه باستغراب. "إدوارد؟ إنه يريد قتلك. يريد السلطة."
ابتسم الرقم صفر. "أعرف. لكنه أيضاً يريد البقاء. والبقاء أهم من السلطة الآن."
"وهل ستثق به؟"
"لا. لكني سأستخدمه. كما يستخدمني."
نظر جيمي طويلاً إلى الرقم صفر. رأى في عينيه شيئاً جديداً. عزيمة. خطة. أمل.
"سأذهب إليه." قال جيمي.
"أنت؟"
"نعم. أعرفه. أعرف كيف يفكر. سأقنعه بالانضمام إلينا."
تردد الرقم صفر. ثم أومأ برأسه. "اذهب. لكن كن حذراً. إدوارد ليس صديقاً لأحد."
نهض جيمي. توجه نحو الباب. قبل أن يخرج، التفت إلى الرقم صفر. قال: "إذا مت... أخبر زيرو أن يشهد لي."
نظر إليه الرقم صفر. "لن تموت. لست وحدك."
ابتسم جيمي. ثم خرج.
---
في شقة إدوارد، كان إدوارد جالساً على الأرض، محاطاً بالخرائط والرسوم. كان يحاول فهم كل شيء. الحجر البنفسجي كان في يده، يتوهج بضوء خافت.
طرق الباب. تجمد إدوارد في مكانه. "من؟"
"جيمي. الرقم واحد."
فتح إدوارد الباب بحذر. رأى جيمي واقفاً هناك، وحيداً، بلا حراس، بلا سلاح.
"ماذا تريد؟"
"أريد أن أتحدث."
دخلا. جلسا في مواجهة بعضهما. صمت طويل.
ثم قال جيمي: "الرقم صفر الأول قادم."
نظر إليه إدوارد باستغراب. "الرقم صفر الأول؟"
"نعم. الذي بدأ كل شيء. الذي خلق النسخ. الذي يريد إعادة ضبط العالم."
صمت إدوارد. كان يعرف هذا. كان يراه في الحجر.
"وماذا تريد مني؟"
"نريدك أن تنضم إلينا. أن نقاتل معاً."
ضحك إدوارد ضحكة باردة. "بعد أن قتلني رقمكم ألف مرة؟ بعد أن سرق حجري؟ بعد أن دمر حياتي؟"
نظر إليه جيمي بحزن. "أعرف. أعرف كل هذا. لكن هذا ليس وقت الثأر. هذا وقت البقاء. إذا فاز الرقم صفر الأول... سنموت جميعاً. أنت. أنا. زيرو. إليا. الجميع."
نظر إدوارد إلى الحجر في يده. كان يتوهج بقوة. كان يشعر بأنه قوي. أقوى من أي وقت مضى.
"وماذا سأكسب إذا انضممت؟"
"الفرصة. فرصة البقاء. فرصة أن تكون أنت من يقرر مصيرك. ليس مجرد أداة في لعبة غيرك."
صمت إدوارد طويلاً. كان يفكر. في كل شيء. في كل من قتلوه. في كل من خانوه. في كل من استخدموه.
ثم قال: "سأفكر في الأمر."
نهض جيمي. توجه نحو الباب. قبل أن يخرج، التفت إلى إدوارد. قال: "لا تفكر طويلاً. الوقت ينفد."
خرج. وبقي إدوارد وحده. ينظر إلى الحجر. يتساءل: من أنا حقاً؟ وماذا أريد حقاً؟
---
في مكان بعيد، خارج الزمن، كان الرقم صفر الأول يجلس على عرشه. أمامه، رأى كل ما حدث. رأى المعركة. رأى زيرو وإليا. رأى إدوارد يتردد. رأى جيمي يحاول.
ابتسم. ابتسامة باردة، قاسية، متعجرفة.
"جميل." همس. "يلعبون كما توقعت. لكنهم لا يعرفون... أن كل تحركاتهم مرسومة. أن كل قراراتهم محسوبة. أنهم مجرد بيادق في لعبتي."
نظر إلى المرآة الكبيرة. فيها، رأى نفسه. أو ما سيكون عليه بعد قليل.
"قريباً. قريباً سأجمع كل النسخ. قريباً سأستعيد كل شيء. قريباً... سأبدأ من جديد."
وفي الظلام من حوله، سمع صوتاً. صوتاً يشبه صوته. يقول: "وهذه المرة... لن تفشل."
ابتسم الرقم صفر الأول. "أبداً."
---
نهاية الفصل الثاني عشر.
