الفصل الثالث عشر: رقصة الدم
---
المدينة كانت تحترق. ليس بنار حقيقية، بل بنار من الخوف والهلع. الناس يركضون في الشوارع بلا هدف، يصرخون بلا صوت، يبحثون عن ملاذ آمن لا وجود له. السماء تغير لونها بين الأزرق والأحمر والأسود، كأنها تعاني من نزيف داخلي. الأرض ترتجف بين الحين والآخر، وكأن شيئاً ضخماً يتحرك تحتها. الرياح تحمل رماداً لا يعرف أحد مصدره، ورائحة الدم أصبحت جزءاً من الهواء تتنفسه الصدور رغماً عن أصحابها.
في السوق المركزي، حيث كانت الحياة تزدهر قبل أيام بالألوان والأصوات والباعة الذين ينادون ببضائعهم، كانت الجثث متناثرة في كل مكان. بعضها لرجال، بعضها لنساء، بعضها لأطفال. لا أحد يعرف كيف ماتوا. لا أحد يعرف لماذا ماتوا. فقط ماتوا. كانت وجوههم تحمل تعبيرات مختلفة: بعضهم بدا خائفاً، بعضهم بدا غاضباً، وبعضهم بدا... مرتاحاً. وكأن الموت كان راحة لهم من شيء أكبر.
وكان هناك شيء آخر في السوق. سكين مغروزة في جدار حجري. لم تكن هناك جثة تحتها، فقط دماء طازجة تسيل ببطء على الحجر. من تركها؟ ولماذا؟ السكين كانت من نوع خاص، بمقبض من الفضة النقية ونقوش غريبة لا تشبه كتابة أي شعب معروف. كانت تلمع تحت ضوء القمر المخيف، كأنها تنتظر من يحملها.
---
وفي زقاق ضيق خلف السوق، كان هناك شيء غريب. ظلان يتقاتلان. لا، ليس ظلان. رجلان. لكنهما كانا يتحركان بسرعة لا تصدق، بشراسة لا توصف، وكأنهما ليسا بشراً. ضرباتهما كانت تترك أثراً في الجدران الحجرية، وكأن القبضة أصبحت أقوى من الحجر. الغبار تطاير من حولهما، والدماء كانت ترش في كل اتجاه.
أحدهما كان جيمي. الرقم واحد. الشاهد. كان يقاتل بشراسة من أجل حياته، لكن في عينيه كان هناك شيء آخر: ذكريات. كان يقاتل وهو يتذكر.
تذكر أول مرة رأى فيها النسخ. كان ذلك قبل ثلاث سنوات، في معم تحت الأرض. كان الرقم صفر الأول واقفاً أمامه، يبتسم، ويقول: "كل إنسان لديه نسخة بداخله. نسخة من كل ما كتمه، من كل ما أراده ولم يجرؤ على فعله. سأريكم كيف تخرج هذه النسخ إلى النور."
تذكر كيف كان أولئك العلماء يصرخون عندما كانت النسخ تلتهمهم. تذكر كيف كان الدم يسيل على الأرض الباردة. تذكر كيف أغمض عينيه وتظاهر بأنه لا يرى.
والآن، كان يقاتل نسخته.
الآخر كان... نسخة. نسخة من جيمي. لكنها كانت نسخة شريرة، بعيون حمراء متوحشة، وبابتسامة قاتلة لا تفارق وجهها. كانت تتحرك بشكل مختلف عن جيمي، أكثر وحشية، أكثر عنفاً. وكأنها لم تتعلم القتال، بل ولدت به.
"أتعجب لماذا تقاتل؟" قالت النسخة وهي تتفادى طعنة قاتلة بحركة مرنة لا يمكن لإنسان عادي القيام بها. "أنا أنت. أنا ما كنت عليه قبل أن تصبح خادماً مطيعاً. أنا حريتك. أنا كل رغباتك التي دفنتها خوفاً من العقاب."
جيمي رد بلكمة قوية على وجه النسخة. شعر بعظام يده تصطدم بعظام وجهها، لكنها لم تتألم. فقط أدارت رأسها ببطء، ثم أعادتها إلى مكانها وكأن شيئاً لم يكن.
"أنت لست أنا." قال جيمي، وصوته كان يرتجف قليلاً. "أنت مجرد ظل. مجرد وهم. تجسيد لكل ما تخليت عنه باختياري."
النسخة ضحكت. ضحكة مخيفة جاءت من عمق صدرها. "وهم؟ إذن لماذا تؤلمك ضرباتي؟ لماذا تشعر بالخوف؟ لماذا تعرف أنك قد تموت على يدي؟"
طعن جيمي بسكين كانت في يده. السكين اخترقت صدر النسخة. اخترقته بسهولة، وكأنها تخترق دخاناً لا لحماً. لكنها لم تسقط. فقط نظرت إلى السكين في صدرها، ثم إلى جيمي، وابتسمت ابتسامة أوسع.
"هذا كل ما لديك؟ كنت أتوقع أكثر مني."
أمسكت النسخة بيد جيمي التي كانت تمسك السكين. ضغطت عليها بقوة حتى سمع جيمي عظام أصابعه تتشقق. ثم ضربته بلكمة أطاحت به أرضاً. سقط على الأرض بقوة، وسمع صوت ظهره يصطدم بالحصى، وشعر بدمائه تسيل من فمه ومن أنفه.
اقتربت منه النسخة. وقفت فوقه تظلله بجسدها الطويل. رفعت يدها لتنهيه. كانت عيناها تلمعان بنور أحمر غريب، وكأنهما نيران صغيرة.
قالت بصوت هادئ مخيف: "لا تخف. سأكون أنت. وسأكون أفضل منك. سأفعل كل ما لم تجرؤ عليه. سأقتل كل من ظلمنا. سأحرق كل من خاننا. سأكون أنت... لكن بدون ضعفك."
وأغمض جيمي عينيه.
في تلك اللحظة، في ظلام عينيه المغلقتين، رأى شيئاً. رأى يداً تمتد إليه. رأى وجهاً. رأى إليا. رأى الفتاة الصغيرة التي ماتت بين يديه قبل سنوات. رأى عينيها الواسعتين تنظران إليه، ليس بخوف، بل بثقة.
سمع صوتها: "لست خادماً. لست شاهداً فقط. أنت جيمي. أنت من اختار أن يتذكر. من اختار ألا ينسى. هذا هو أنت. هذا هو قوتك. ليس القتال. التذكر."
وفتح عينيه.
---
وفجأة... سمعت النسخة صوتاً خلفها: "ابتعد عنه."
التفتت. رأت إدوارد واقفاً هناك، والحجر البنفسجي في يده يتوهج بقوة غير طبيعية. كان وجهه شاحباً، وجسده مرتجفاً، لكن عينيه كانتا ثابتتين. كان يقف على حافة الزقاق، والرياح تعبث بشعره الأسود. خلفه، كانت السماء تتلون بالأحمر والأسود، وكأن الكون كله يشاهد هذه اللحظة.
لم يكن إدوارد متأكداً لماذا عاد. كان بإمكانه الهروب. كان بإمكانه التخلي عن كل شيء والذهاب بعيداً. لكنه رأى جيمي يسقط، ورأى النسخة تقف فوقه، وشعر بشيء غريب في قلبه. ليس شجاعة. ليس غباء. شيء آخر. شيء يشبه... الألفة.
رأى في جيمي شخصاً يشبهه. شخصاً يحمل ثقلاً لا يطاق. شخصاً يحاول أن يكون شيئاً، أي شيء، في عالم يريد جعله لا شيء.
النسخة ضحكت. ضحكت باحتقار. "وأنت أيضاً؟ خادم متخفي يلعب دور البطل؟ تريد أن تموت؟ حسناً، سأكون سعيدة بقتلكما معاً. اثنان بواحد. صفقة جيدة."
إدوارد لم يجب. فقط رفع الحجر. لم يكن يعرف كيف يعمل. لم يكن يعرف ما الذي يفعله. لكنه شعر بطاقة تتدفق من الحجر إلى ذراعه، من ذراعه إلى قلبه، من قلبه إلى روحه. كأن الحجر كان جزءاً منه طوال الوقت، ينتظر فقط أن يدرك ذلك.
ومن الحجر انطلقت موجة من الطاقة البنفسجية، لا، لم تكن مجرد طاقة. كانت شيئاً آخر. كانت ذكريات. كانت أحلاماً. كانت خيارات لم تُتخذ. كانت طرقاً لم تُسلك. كانت كل ما يمكن أن يكونه إدوارد لو اختار غير ما اختار.
أصابت الموجة النسخة مباشرة.
صرخت النسخة. صرخت بألم لم تسمعه من قبل. لكنه لم يكن ألماً جسدياً. كان ألماً روحياً. كانت الموجة تُريها أشياء. أشياء لا تريد رؤيتها. كانت تُريها أنها ليست حقيقية. كانت تُريها أنها مجرد فكرة. فكرة يمكن أن تموت إذا توقف من خلقها عن التفكير فيها.
"لا!" صرخت النسخة. "أنا موجودة! أنا حقيقية! أنا..."
لكن كلماتها تلاشت معها. تحولت إلى غبار. مجرد غبار تطاير في الهواء، اختلط بالرماد الذي يملأ السماء، وكأنها لم تكن هناك أبداً.
سكت كل شيء. حتى الرياح توقفت للحظة. نظر إدوارد إلى يده. الحجر كان لا يزال يتوهج، لكن بشكل أضعف. شعر بدوار شديد، وكأن استخدام الحجر أخذ منه جزءاً من حياته.
اقترب من جيمي. سار ببطء، كل خطوة تكلفه جهداً. مد يده وساعده على الوقوف. نظر إليه جيمي باستغراب حقيقي. كان وجهه مغطى بالدماء، وعيناه منتفختان، لكنه كان مبتسماً. ابتسامة متعبة لكن حقيقية.
"لماذا أنقذتني؟" سأل جيمي بصوت خافت. "كنت ستموت لو فشلت. كنت ستموت ولو نجحت. كان بإمكانك الهروب. كان بإمكانك ترك هذا المكان وكل ما فيه."
نظر إدوارد إليه. كانت عيناه تحملان شيئاً لم يرَه جيمي من قبل. ليس غضباً. ليس خوفاً. شيئاً أشبه بالحزن العميق.
"لأنك قلت إن الوقت ينفد." قال إدوارد بصوت مرتجف. "وأن البقاء أهم من الثأر. كنت أظن أنك ضعيف عندما قلت ذلك. لكنني... لكنني رأيتك تقاتل. رأيتك تسقط. رأيتك تقف من جديد. رأيت..."
توقف. تنفس بصعوبة.
"رأيت فيك ما أريد أن أكونه."
ابتسم جيمي. ابتسامة أوسع هذه المرة، رغم الألم. "شكراً."
"لا تشكرني." قال إدوارد وهو ينظر حوله. الزقاق كان لا يزال مظلماً، لكن شيئاً تغير. الهواء أصبح أثقل. الأصوات البعيدة أصبحت أقرب. "نحنまだ لم ننته. هناك المزيد قادم."
وفعلاً، كان المزيد قادماً.
---
من كل زاوية، من كل ظل، من كل نافذة مكسورة، من كل باب مفتوح، كانت تظهر نسخ. عشرات. مئات. كانوا يخرجون من العدم، ينسلون من بين الشقوق في الجدران، ينزلون من السماء كأنهم مطر من لحم ودم. بعضهم كان نسخاً من جيمي، بعضهم من إدوارد، بعضهم من الرقم صفر، بعضهم من زيرو، بعضهم من أناس لا يعرفونهم.
لكن كان هناك شيء موحد في كل هذه النسخ: العيون الحمراء، والابتسامة القاتلة، والحركة غير البشرية.
كانوا يحيطون بهما من كل جانب. يقتربون ببطء، كالذئاب التي تطوق فريستها. أصواتهم كانت تختلط معاً في همهمة مخيفة: "جيمي... إدوارد... تعالا إلينا... كونوا مثلنا... لا تعودا وحدكما... نحن كثر... نحن الأقوى..."
نظر إدوارد إلى جيمي. "كم عددهم؟"
نظر جيمي حوله. حاول أن يحصي لكنه فقد العد بعد الخمسين. "أكثر مما نستطيع قتله. أكثر مما يستطيع أي إنسان قتله."
"إذن ماذا نفعل؟"
نظر جيمي إلى نهاية الزقاق. رأى ممراً ضيقاً يؤدي إلى شارع أوسع. رأى فرصة.
"نركض."
وركضا.
ركضا بكل قوتهما. جيمي كان يجري رغم جروحه، رغم عظامه المتشققة، رغم الدماء التي تغطي وجهه. إدوارد كان يجري رغم الدوار، رغم الإرهاق، رغم الحجر الذي أصبح ثقيلاً في يده كأنه يحمل جبلاً.
والنسخ تركض خلفهما. كانت تصرخ، تهدد، تعد بالقتل. كانت أقرب مما يظنان. أسرع مما يظنان. صوت أقدامها كان كالمطر على الأرض الحجرية.
اقتحما شارعاً رئيسياً. كان خالياً من الأحياء، لكن الجثث كانت متناثرة في كل مكان. بعض الجثث كانت لا تزال تتحرك. لا، لم تكن تتحرك. كانت تتحول. كانت تتحول إلى نسخ. كانت الموتى تعود إلى الحياة، لكن ليس كبشر. كوحوش.
توقف جيمي فجأة. نظر حوله. أدرك شيئاً.
"إنها لا تطاردنا فقط." قال وهو يلهث. "إنها تحاصرنا. تدفعنا إلى مكان ما."
نظر إدوارد حوله. كان على حق. النسخ كانت تأتي من كل اتجاه إلا اتجاهاً واحداً. كانت تترك ممراً مفتوحاً، وكأنها تقودهم إلى فخ.
"وإلى أين تدفعنا؟" سأل إدوارد.
نظر جيمي في الاتجاه المفتوح. رأى برجاً عالياً في وسط المدينة. برجاً لم يكن موجوداً من قبل. برجاً أسود بالكامل، يلمع تحت ضوء القمر المخيف.
"إلى هناك." قال جيمي بصوت خافت. "إلى الرقم صفر الأول."
---
في المبنى المهجور
كان الوضع أسوأ مما تخيلوا. المبنى نفسه كان يهاجمهم.
الجدران كانت تتحرك. لم يكن ذلك مجرد تشقق أو انهيار. كانت الجدران تتحرك عمداً، بذكاء، وكأنها كائن حي. كانت تبتلع من يقف بجانبها. كانوا يرون أحدهم يقف بجوار جدار، ثم فجأة، كان الجدار يفتح فجوة كبيرة تبتلعهم، ثم ينغلق عليهم وكأنهم لم يكونوا هناك أبداً.
الأرض كانت تفتح فجوات. فجوات عميقة مظلمة، لا يمكن رؤية قاعها. كانوا يسيرون بحذر، يختبرون كل خطوة قبل أن يضعوا أقدامهم. لكن بعض الفجوات كانت تظهر فجأة، تحت أقدامهم مباشرة، وكأن الأرض تريد أن تبتلعهم أحياء.
السقف كان يسقط قطعاً ثقيلة. قطع من الخرسانة والحجارة، بعضها بحجم إنسان. كانت تسقط في أوقات عشوائية، أو ربما ليست عشوائية. ربما كانت تختار هدفها. كلما ظنوا أنهم آمنون، كانت قطعة تسقط قريباً منهم، أو فوقهم مباشرة.
الرقم صفر كان في الوسط. يقف هناك كالصخرة التي تتحطم عليها الأمواج. كان يدافع عن الباقين بإرهاق واضح. يطلق موجات الطاقة بلا توقف، يسقط النسخ واحدة تلو الأخرى. لكنها كانت تتجدد بسرعة مخيفة. كلما سقطت واحدة، ظهرت اثنتان مكانها. وكأن المدينة كلها أصبحت مصنعاً للنسخ.
الرقم ستة كانت تقاتل بجانبه، بمسدسها الذي لم يعد يكفي. كانت تطلق الرصاص بدقة، تصيب الهدف في كل مرة، لكن الرصاص لم يكن يقتل النسخ كما كان يفعل من قبل. كانت النسخ تتلقى الرصاص وكأنها تتلقى حبات المطر، ثم تستمر في التقدم.
"الرصاص لا يعمل!" صرخت الرقم ستة وهي ترتدي مخزناً جديداً. "إنها تتكيف! تتعلم!"
الرقم أربعة كان يحمي الرقم ثمانية وتسعة بجسده الضخم. كان واقفاً أمامهما كالجدار، يتلقى ضربات النسخ على صدره وظهره. جسده كان مغطى بالجروح والكدمات، لكنه لم يتراجع خطوة واحدة. كان يئن من الألم لكنه لم يصرخ. كلما سقطت نسخة أمامه، كان يدوس على جثتها المتفتتة ليتأكد من عدم عودتها.
الرقم اثنان كان في الزاوية البعيدة، يوجههم. كان يرى الصورة الكاملة للمعركة، يرى أين يتركز الهجوم، أين يضعف الدفاع. كان يعطي الأوامر بصوت عالٍ وواضح، يحاول الحفاظ على تماسكهم. لكن صوته بدأ يبح من كثرة الصراخ.
اقترب الرقم اثنان من الرقم صفر. كان يمشي بصعوبة، لأنه فقد إحدى حذائه أثناء المعركة والزجاج المكسور يقطع قدمه.
همس له بصوت لا يسمعه غيره: "لا يمكننا الاستمرار هكذا. سينتهي مخزون طاقتك قريباً. سينتهي ذخيرتنا. سينتهي كل شيء."
"أعرف." رد الرقم صفر وهو يسقط نسخة أخرى. كانت عيناه مركزة على الهدف، لكن جسده كان يرتجف من الإرهاق. "لكن ليس لدينا خيار. لا يمكننا الهروب. لا يمكننا الاستسلام. لا يمكننا إلا القتال."
"لدينا خيار واحد."
نظر إليه الرقم صفر. توقف للحظة. عيناه اتسعتا قليلاً. "لا. لا تفكر في ذلك."
"زيرو. نحتاج زيرو."
تردد الرقم صفر للحظة طويلة. كان يعرف أن استدعاء زيرو يعني المخاطرة. يعني أن يكونا في نفس المكان مرة أخرى. يعني أن يواجها كل ما حدث بينهما. يعني أن تلتقي العينان اللتان كانتا تتصارعان منذ سنوات.
لكنه كان يعرف أيضاً أن لا خيار آخر. أن الأوان قد فات للخيارات الآمنة.
رفع يده إلى السماء. أغمض عينيه. بدأ يتخيل زيرو. ليس كعدو. ليس كخائن. كإنسان. كإنسان كان يوماً صديقه. كإنسان ضل الطريق مثله. كإنسان يحاول أن يجد معنى في عالم فقد معناه.
همس: "تعال. نحتاجك. أنا بحاجتك."
وفي اللحظة التالية، انشق الهواء.
لم يكن ذلك دخولاً عادياً. الهواء تمزق كأنه قماش، وتفجرت منه طاقة هائلة أضاءت المبنى كله. النسخ القريبة تطايرت بعيداً. الجدران المحيطة تشققت. حتى الأرض اهتزت تحت أقدامهم.
وظهر زيرو في وسط المبنى.
كان مختلفاً. مختلفاً تماماً عما كان عليه من قبل. عيناه كانتا تلمعان بقوة لم يراها أحد من قبل، ليس فقط طاقة، بل حكمة وألم وإرادة. جسده كان محاطاً بهالة من الضوء والظل معاً، تتحرك حوله كأنها تلبس رداءً. وقف هناك، ينظر إلى المشهد من حوله، ثم نظر إلى الرقم صفر.
نظرة طويلة. نظرة تحمل كل شيء. كل الصداقة التي كانت. كل الخيانة التي حدثت. كل الألم الذي سببه كل منهما للآخر. كل السنوات التي ضاعت.
قال بصوت عميق، قوي، لكنه كان يحمل شيئاً من الدفء: "أنت دعوتني."
نظر الرقم صفر إليه. لم يتراجع. لم يخفض عينيه. "نعم. نحتاجك. أنا بحاجتك."
نظر زيرو إلى النسخ التي تهاجمهم. نظر إلى الرقم ستة وهي تكافح لإطلاق طلقة أخيرة. نظر إلى الرقم أربعة وهو يتلقى الضربات بجسده المتعب. نظر إلى الرقم اثنان وهو يختبئ خلف عمود. نظر إلى الدماء على الأرض.
ثم نظر إلى الرقم صفر. ابتسم. ابتسامة واثقة، لكنها كانت مختلفة. لم تكن ابتسامة متكبرة. كانت ابتسامة إنسان وجد ما كان يبحث عنه.
"حسناً. دعنا نرقص."
وانطلق.
كانت حركته أسرع من العين. لا، أسرع من الفكر. كان يظهر هنا، يسقط نسخة، ثم هناك، يسقط اثنتين، ثم في مكان ثالث، يسقط أربعاً. لم يكن يقاتل. كان يرقص. كان جسده يتحرك بتناغم لا يمكن وصفه، كأن الموسيقى تعزف في رأسه ولا يسمعها غيره.
في كل مكان يظهر، تسقط نسخة. في كل مرة يتحرك، تموت نسخة. كان كالمطرقة التي تسحق البيادق. كالنار التي تأكل الحشائش الجافة.
الرقم صفر انضم إليه. لم يتخلف للحظة. الاثنان معاً كانا كالإعصار. كالنار والرياح معاً. لا يمكن إيقافهما. لا يمكن مقاومتهما. كانا يعرفان تحركات بعضهما دون تنسيق، كأنهما لا يزالان كما كانا من قبل. كأن السنوات لم تمر. كأن الخيانة لم تحدث.
وقفا ظهراً لظهر. زيرو يغطي الجهة الشرقية، الرقم صفر يغطي الغربية. كل منهما يعرف متى يتحرك، متى يهاجم، متى يتراجع. كانا يتنفسان معاً، يقاتلان معاً، يقتلان معاً.
النسخ كانت تتساقط كأوراق الخريف. لم تعد تتجدد. لم تعد تقاوم. كانت تعرف أنها تواجه شيئاً لا يمكن هزيمته.
في دقائق، كانت كل النسخ قد سقطت. ساد الصمت من جديد. سوى صوت أنفاسهما الثقيلة، وصوت الحجارة المتساقطة من السقف المتشقق.
وقف زيرو والرقم صفر في وسط المبنى، ينظران إلى بعضهما. كانا يلهثان، متعبان، مغطيان بالدماء والغبار، لكن أحياء. كانا يقفان هناك، بين حطام المبنى وحطام ماضيهما.
قال زيرو وهو يلتقط أنفاسه: "لم أدعوك لقتلي. لم آتِ لأقتلك. جئت لأنك دعوتني. جئت لأن..."
توقف. ابتلع ريقه.
"جئت لأنني أردت أن أسمع صوتك مرة أخرى. حتى لو كان آخر ما أسمعه."
قال الرقم صفر وهو ينظر إلى الأرض: "ولم أدعوك لتقتلني. دعوتك لأنني... لأنني احتجتك. لأنني لم أستطع الاستمرار بدونك. لأن كل ما فعلته بعد أن تركتني... كان خطأ. كل شيء."
صمتا للحظة. النسخة الأخيرة كانت قد تحولت إلى غبار تحت أقدامهما. المبنى كان لا يزال يئن، لكنه توقف عن الهجوم. كأنه كان ينتظر هذه اللحظة أيضاً.
قال زيرو: "إذاً ماذا نفعل؟ بعد كل هذا. بعد كل ما فعلناه. بعد كل ما قلناه. ماذا نفعل الآن؟"
نظر الرقم صفر حوله. إلى الجدران المتشققة التي بدأت تستقر. إلى الأرقام المتعبة التي كانت تجلس على الأرض تلتقط أنفاسها. إلى الرقم ستة وهي تضمد جراح الرقم أربعة. إلى الدماء على الأرض التي بدأت تجف.
ثم نظر إلى زيرو. نظرة طويلة. نظرة إنسان قرر شيئاً.
"نقاتل معاً. ضد العدو الحقيقي. ضد الرقم صفر الأول. ضد من صنع كل هذا. ضد من سرق حياتنا وحياة غيرنا. ثم... بعد أن ننتهي... سنحسم أمرنا. وجهاً لوجه. كالرجال."
تردد زيرو للحظة طويلة. فكر في إليا. في الأمان الذي وعدها به. في الابتسامة التي كانت تظهر على وجهها عندما كان يعود إليها. في الحياة التي بدأ يحلم بها، حياة لا تحتوي على قتال، على دماء، على أكاذيب.
لكنه عرف أن لا أمان بدون نهاية. وأن لا نهاية بدون قتال. وأن لا قتال بدون حلفاء.
"حسناً." قال. "أنا معك. حتى النهاية."
مد يده.
نظر الرقم صفر إلى اليد الممدودة. تردد للحظة. هذه اليد كانت تضربه يوماً. كانت تكاد تقتله. كانت تمثل كل خيانة عرفها.
لكنها كانت أيضاً اليد التي أنقذته ذات يوم. اليد التي قاتلت بجانبه. اليد التي عرفها قبل أن يعرف أي شيء آخر.
مد يده. صافحه.
وقف الأرقام حولهما. الرقم ستة، الرقم أربعة، الرقم اثنان، الثمانية والتسعة. نظروا إلى الرجلين اللذين كانا عدويين قبل دقائق، وهما يصافحان بعضهما.
لأول مرة منذ سنوات، شعر الجميع بشيء. ليس بالأمان. ليس بالنصر. بشيء آخر. بشيء أشبه بالأمل.
---
في القصر الإمبراطوري
كان الإمبراطور أندريان يشاهد كل شيء من خلال مرآة سحرية. مرآة كبيرة، إطارها من الذهب الخالص، كانت تظهر له كل زاوية في المدينة. كل معركة. كل خيانة. كل تحالف.
رأى المعركة في المبنى المهجور. رأى زيرو والرقم صفر يقاتلان معاً كأنهما لم يتصارعا أبداً. رأى إدوارد وجيمي يهربان من النسخ في شوارع المدينة. رأى الفوضى تعم كل مكان.
وكان غاضباً. غاضباً لأن خطته فشلت. غاضباً لأن ابنته هربت. غاضباً لأن العالم لم ينحن له كما توقع. غاضباً لأن كل ما بناه كان ينهار أمام عينيه.
لكن غضبه كان مختلفاً. لم يكن غضباً عاطفياً. كان غضباً بارداً، محسوباً. كان غضب إنسان يخطط لشيء أكبر.
دخل عليه مستشاره القديم. رجل بملامح حكيمة، بعيون عميقة تخفي أكثر مما تظهر. كان يرتدي ثياباً سوداء، ويمشي ببطء كأن كل خطوة تكلفه جهداً. كان معروفاً بأنه المستشار الوحيد الذي تجرأ على قول الحقيقة للإمبراطور. ربما لأنه الوحيد الذي لا يخاف الموت.
قال المستشار بصوته الهادئ: "جلالتك... هناك أمر يجب أن تعرفه. أمر قد يغير حساباتك كلها."
"ماذا؟" قال الإمبراطور دون أن يرفع عينيه عن المرآة.
"الرقم صفر الأول... يريد مقابلتك."
تجمد الإمبراطور. للحظة، توقفت أنفاسه. كان يعرف الرقم صفر الأول. كان يعرف ما فعله. كان يعرف ما يريد.
"ماذا؟" كرر، لكن بصوت مختلف هذه المرة. صوت يحمل خوفاً لم يشعر به منذ سنوات.
"نعم. أرسل رسولاً قبل قليل. يقول إنه يريد تحالفاً. يريد مساعدتك لاستعادة ابنتك... مقابل مساعدتك له في القضاء على أعدائه. مقابل مساعدتك له في القضاء على زيرو والرقم صفر وجيمي وإدوارد وكل من يقف ضده."
نظر الإمبراطور إلى المرآة. رأى فيها وجهه. لكن الوجه كان يبتسم له. يبتسم ابتسامة غريبة، ابتسامة لم يرها من قبل. هل كانت المرآة تعكس وجهه؟ أم أن هناك شيئاً آخر في المرآة؟
ابتسم الإمبراطور. ابتسامة باردة. "قل له... أوافق. قل له أنني في انتظاره. قل له أن العرش جاهز له."
انحنى المستشار. لكن قبل أن يغادر، توقف. نظر إلى الإمبراطور. كان هناك شيء في عينيه. شيء أشبه بالحزن.
"جلالتك... أتأكد من هذا القرار؟ الرقم صفر الأول ليس رجلاً يمكن الوثوق به. وليس رجلاً يمكن السيطرة عليه. قد يكون التحالف معه..."
قاطعه الإمبراطور: "أنا أعرف ما أفعله. أنا من حكم هذه الإمبراطورية لأربعين سنة. أنا من صنع المجد من الرماد. أنا من سيوحد هذا العالم تحت راية واحدة. بأي ثمن. مع أي شخص. افعل ما أمرتك به."
انحنى المستشار. غادر.
وبقي الإمبراطور وحيداً. نظر إلى المرآة. إلى الوجه الذي لا يزال يبتسم له.
"لا تخف." همس لنفسه. "أنا أعرف ما أفعله. الرقم صفر الأول سيخدم غرضه ثم... سيختفي. كما اختفى كل من وقف في طريقي."
لكن يده كانت ترتجف قليلاً عندما رفع كأس النبيذ.
---
في شقة إدوارد
كان المكان مظلماً. النوافذ كانت مغلقة بإحكام، والستائر سميكة لا تسمح بدخول أي ضوء من الخارج. كان الهواء ثقيلاً برائحة الدماء والغبار والعرق.
إدوارد وجيمي كانا جالسين على الأرض. ليس على الأريكة. ليس على الكراسي. على الأرض. الأرض الباردة. كأنهما يعرفان أنهما لا يستحقان الراحة بعد.
كانا مصابين. جيمي كان يحمل كسراً في ضلعين على الأقل، وعظام أصابعه متشققة، ووجهه مغطى بالجروح. إدوارد كان يعاني من إرهاق شديد، وعيناه محمرتان، وجسده يرتجف من حين لآخر.
لكنهما كانا أحياء.
صمت طويل. صمت ثقيل. كل منهما كان غارقاً في أفكاره. جيمي كان يتذكر كل من رآهم يموتون. كل من شهد نهايتهم. كل من لم يستطع إنقاذهم. إدوارد كان يتذكر كل من قتلهم. كل من خانهم. كل من استخدمهم.
كسر إدوارد الصمت. صوته كان خافتاً، مرتجفاً.
"لماذا فعلتها؟ لماذا أتيت إليّ؟ كنت تعرف أنني قد أقتلك. كنت تعرف أنني لا أثق بأحد. كنت تعرف أنني..."
توقف. لم يستطع إكمال الجملة.
نظر جيمي إليه. نظرته كانت مختلفة. لم تكن نظرة الرقم واحد إلى غريب. كانت نظرة إنسان إلى إنسان آخر.
"لأني رأيت فيك شيئاً." قال جيمي بصوته المتعب. "شيئاً يشبهني. ضياع. بحث عن معنى. رغبة في أن تكون أكثر مما أنت. رغبة في أن تكون شيئاً... أي شيء... في عالم لا يريدك أن تكون شيئاً."
صمت إدوارد. كان يفكر في كل شيء. في كل من قتل. في كل من خان. في كل من استخدم. في كل من استخدمه. في كل لحظة ضعف اختبأ فيها وراء القوة.
"أنا لست بطلاً." قال. لم يكن يقولها بتواضع. كان يقولها بيقين. "أنا قاتل. أنا خائن. أنا من يبيع أقرب الناس إليه إذا كان الثمن مناسباً. أنا..."
"أنا أعرف." قاطعه جيمي. "لا أحد منا بطل. نحن مجرد أناس نحاول البقاء. الفرق أن بعضنا يختار الطريق الصحيح بعد أن يسلك الطريق الخطأ. والبعض الآخر... يختار الطريق السهل ويستمر فيه حتى لا يعود يستطيع العودة."
نظر إدوارد إلى الحجر في يده. كان يتوهج بهدوء. لم يكن كالسابق. كان وهجاً خافتاً، كأنه ينام. أو كأنه ينتظر. ينتظر لحظة الحاجة الحقيقية.
"وماذا عنك؟" سأل إدوارد. "أي طريق اخترت؟ بعد كل ما رأيت. بعد كل ما شهدت. بعد كل من ماتوا أمام عينيك. ماذا اخترت؟"
ابتسم جيمي. ابتسامة متعبة لكن حقيقية. ابتسامة إنسان عانى كثيراً لكنه لم يفقد إنسانيته.
"اخترت أن أشهد. أن أتذكر. أن لا أنسى. أن أحمل ذكريات من رحلوا. أن أكون صوت من لا صوت لهم. أن أحكي قصصهم حتى لا تموت معهم. هذا طريقي. هذا هو أنا. ليس مقاتلاً. ليس بطلاً. شاهد. فقط شاهد."
"وهل هو صحيح؟ هل هذا الطريق صحيح؟"
نظر جيمي إلى السقف المظلم. فكر للحظة. ثم نظر إلى إدوارد مرة أخرى.
"لا أدري. لا أدري إن كان هناك طريق صحيح أصلاً. لكنه طريقي. وهو الطريق الوحيد الذي يجعلني أنظر في المرآة دون أن أتقيأ. وهو الطريق الوحيد الذي يجعلني أنام ليلاً دون أن أرى وجوه الذين خذلتهم."
صمتا مرة أخرى. الصمت كان أخف هذه المرة. كأن الكلمات التي قالاها خففت من ثقل ما يحملانه.
ثم قال إدوارد فجأة: "سأقاتل معكم."
نظر إليه جيمي. لم يظهر الدهشة. ربما كان يتوقع ذلك. أو ربما كان يأمل ذلك.
"لماذا غيرت رأيك؟ أمس كنت مستعداً لقتلي. أمس كنت مستعداً لبيعنا جميعاً. أمس كنت..."
"أمس رأيت كيف يموت الناس." قاطعه إدوارد. صوته كان قوياً الآن، رغم الإرهاق. "رأيت كيف تختفي الأرواح. كيف تتحول الحياة إلى لا شيء في لحظة. كيف يختفي كل ما بناه الإنسان في ثانية. ورأيت... رأيتك تسقط. رأيتك تقف. رأيتك تقاتل رغم أنك تعرف أنك قد تخسر. رأيت فيك شيئاً..."
توقف. ابتلع ريقه.
"رأيت فيك شيئاً لم أره في نفسي أبداً. شيئاً أشبه بالشجاعة. ليس شجاعة القتال. شجاعة الاستمرار. شجاعة الأمل. وأدركت أن السلطة وحدها لا تكفي. أن المال وحده لا يكفي. أن القوة وحدها لا تكفي. أن هناك ما هو أهم."
"وماذا؟" سأل جيمي.
"أن تكون جزءاً من شيء. أي شيء. أكبر منك. أن تكون جزءاً من قصة لا تنتهي بموتك. أن تترك شيئاً بعد رحيلك. شيئاً غير الدماء والجثث."
مد جيمي يده. لم يقل شيئاً. فقط مد يده.
نظر إدوارد إلى اليد. تردد للحظة. ثم مد يده. صافحه.
"مرحباً بك في المعركة." قال جيمي.
"مرحباً بي." قال إدوارد.
وبقيا هناك، في الظلام، جالسين على الأرض، متعبين، مصابين، خائفين. لكن ليس وحيدين.
---
في مكان بعيد جداً
كان الرقم صفر الأول يجلس على عرشه. لكنه لم يكن عرشاً عادياً. كان عرشاً صنعه من عظام من قتلهم. من جماجم من حطموا. من أسلحة من هزموا. كان يجلس هناك، في قاعة مظلمة لا يدخلها ضوء، محاطاً بظلال لا تتحرك.
كان يشاهد كل شيء. كل خيانة. كل تحالف. كل معركة. كل دماء تسيل. كل روح تخرج من جسدها. وكان يبتسم.
ابتسامة طويلة. ابتسامة إنسان يعرف أنه فاز قبل أن تبدأ اللعبة.
"جميل." همس. صوته كان كالرمال تتحرك. "يتحدون ضدي. يظنون أنهم يستطيعون هزيمتي. الرقم صفر وزيرو معاً. إدوارد وجيمي معاً. الإمبراطور يأتي إليّ طالباً المساعدة. كلهم يتحدون ضد..."
ضحك. ضحكة عميقة جعلت الظلال ترتجف.
"لا يعرفون. لا يعرفون أني من صنعتهم. أني من خططت لكل هذا. أني من أردت هذا التحالف. أني من جعلتهم يتحدون. كل خيانة حدثت، أنا من خطط لها. كل موت وقع، أنا من أمر به. كل دماء سالت، أنا من أراقها. وهم..."
نظر إلى مرآة كبيرة أمامه. مرآة سوداء، لا تعكس ما أمامها، بل ما سيكون. فيها، رأى نفسه. أو ما سيكون عليه بعد قليل. كان يرتدي تاجاً من نار. كان جالساً على عرش من أرواح. كان الكون كله تحت قدميه.
"تعالوا. تعالوا جميعاً. اجمعوا كل قوتكم. كل حقدكم. كل غضبكم. تعالوا إليّ. سأريكم من هو الرقم صفر الحقيقي. سأريكم من هو البداية والنهاية. سأريكم... معنى الخلود. معنى أن تكون إلهاً بين الفانين."
وقف من عرشه. وقف ببطء، كأن جسده لم يعتاد على الحركة. مد ذراعيه. تنفس بعمق.
وفي الظلام من حوله، سمع أصواتاً. أصوات كل من قتلهم. كل من خانهم. كل من استخدمهم. كانت تهمس له. تصرخ. تبكي. تلعن. كانت الأصوات تعلو وتخفت، تختلط مع بعضها، تشكل سيمفونية من الألم والمعاناة.
لكنه لم يهتم. فقط ابتسم ابتسامة أوسع.
"اصمتوا." قال بصوت هادئ. هادئ جداً. هادئ لدرجة أنه كان أخطر من الصراخ. "لا تفسدوا عليّ فرحتي. انتظروا قليلاً. سأرسل لكم رفاقاً جدداً قريباً. ستمتلئ قاعتي بأرواح جديدة. سيكون هناك متسع للجميع."
جلس مرة أخرى. أغمض عينيه.
"أنا آتٍ."
---
على سطح أحد المباني
كانت إليا واقفة هناك. وحدها. تنظر إلى المدينة التي كانت تحترق. السماء كانت تتغير ألوانها أمام عينيها. الأزرق يختفي. الأحمر ينتشر. الأسود يسيطر.
كانت ترتجف. ليس من البرد. من الخوف. من الحزن. من كل ما رأته. من كل ما عرفته.
كان والدها الإمبراطور يبحث عنها. الرقم صفر الأول يريدها. النسخ تطاردها. والعالم كله ينهار.
لكنها كانت هناك. واقفة. تتنفس. حية.
نظرت إلى السماء. إلى النجوم التي بدأت تختفي واحدة تلو الأخرى.
"ماذا أفعل؟" همست. "أين أذهب؟ من أثق؟"
لم يجبها أحد. فقط الرياح كانت تعوي. فقط النار كانت تشتعل. فقط العالم كان ينهار.
لكنها شعرت بشيء. شيء في صدرها. شيء دافئ. شيء صغير. شيء أشبه بالأمل.
تذكرت كلمات زيرو. كلمات قالها لها قبل أن يغادر: "لا تستسلمي. مهما حدث. مهما رأيت. مهما شعرت. لا تستسلمي. البقاء هو أقوى انتقام. البقاء هو أعظم تحد. البقاء هو أن تقولي للعالم: أنا هنا. وأنا لن أرحل."
تنفست بعمق. مسحت دموعها.
"سأبقى." قالت بصوت أعلى قليلاً. "سأبقى. سأشهد. سأعيش. سأكون أقوى من كل هذا. سأكون..."
توقفت. نظرت إلى الأسفل. رأت في الشارع شيئاً يتحرك. ظلاً. ظلاً أسود. يتحرك بسرعة. يتجه نحوها.
تراجعت خطوة إلى الوراء.
لكنها لم تهرب.
"سأبقى." همست مرة أخرى. "سأبقى."
---
نهاية الفصل الثالث عشر
