الفصل الخامس عشر: تحطم الأبعاد
المدينة لم تعد مدينة. كانت فضاءً من الفوضى والرعب. المباني تذوب كالشمع ثم تعيد تشكيل نفسها بأشكال لا تطاق. الشوارع تبتلع المارة ثم تقذفهم في أزمنة مختلفة. السماء تمطر نجوماً، والأرض تتنفس ككائن حي.
الناس الذين بقوا كانوا إما مجانين أو قتلى أو... متحولين. أجنحة تنبت من ظهورهم، عيون إضافية تفتح على وجوههم، أيادٍ تتحول إلى مخالب. كانوا يصبحون جزءاً من عالم جديد. عالم الرقم صفر الأول.
في أحد الشوارع الرئيسية، كان جيمي يقاتل. ليس ضد عدو واحد، بل ضد عشرة. نسخ منه، لكنها شريرة، متوحشة، تريد قتله.
تقدمت إحدى النسخ. "استسلم. نحن أنت. نحن أقوى منك."
جيمي رد بلكمة قوية. "أنتم مجرد ظلال. أنا الحقيقة."
النسخة ضحكت. "الحقيقة؟ الحقيقة أنك مجرد خادم. مجرد شاهد. مجرد لا شيء."
طعنه آخر من الخلف. شعر جيمي بالألم يخترق جسده. سقط على ركبتيه.
النسخ أحاطت به. كانت تبتسم. تنتظر.
وفجأة... سمعوا صوتاً: "ابتعدوا عنه."
ظهر إدوارد. الحجر البنفسجي في يده يتوهج بقوة لم يسبق لها مثيل. كان محاطاً بهالة من الطاقة. عيناه كانتا تلمعان.
نظر إلى النسخ. قال: "هذه آخر فرصة لكم. اذهبوا."
ضحكت النسخ. "واحد آخر؟ ظننت أنك أذكى من ذلك يا إدوارد."
لم يجب إدوارد. فقط رفع الحجر. ومنه انطلقت موجة هائلة من الطاقة البنفسجية. اجتاحت النسخ كلها. صرخت. تلوت. ثم تحولت إلى غبار.
اقترب إدوارد من جيمي. ساعده على الوقوف. نظر إليه جيمي باستغراب.
"كيف... كيف فعلت هذا؟"
نظر إدوارد إلى الحجر. "بدأت أفهم. هذا الحجر ليس مجرد مصدر قوة. إنه مفتاح. مفتاح لكل شيء. كلما اقتربنا من النهاية، كلما زادت قوته."
"وهل تستطيع السيطرة عليه؟"
"لا. لكني أتعلم."
ابتسم جيمي. "هذا يكفي."
---
في المبنى المهجور، كان المشهد أسوأ. المبنى نفسه كان ينهار. الجدران تتساقط، الأرض تتصدع، السقف يتهالك. والنسخ تهاجم من كل اتجاه.
الرقم صفر كان في الوسط، يدافع عن الباقين. كان متعباً، مصاباً، لكنه لم يستسلم. بجانبه، كان زيرو يقاتل كالوحش. كان أسرع، أقوى، أكثر شراسة من أي وقت مضى.
لكن النسخ كانت أكثر. كانت تتجدد كلما سقطت.
اقترب الرقم اثنان من الرقم صفر. "لا يمكننا الاستمرار! سيموتون جميعاً!"
نظر الرقم صفر حوله. رأى الرقم ستة مصابة على الأرض. رأى الرقم أربعة يغطيها بجسده. رأى الرقم ثمانية وتسعة يبكيان في الزاوية. رأى الدم في كل مكان.
اتخذ قراره.
رفع يده إلى السماء. أغمض عينيه. ركز كل طاقته على نقطة واحدة. على قلبه.
همس: "أيها الأول... اسمعني. أنا قادم إليك. وحدي. دعهم يعيشون."
وفي اللحظة التالية، انشق الهواء. وظهر أمامه الرقم صفر الأول.
ليس كشبح. ليس كرؤيا. كحقيقة. كجسد. كوجود.
وقف هناك، في وسط المبنى المنهار، ينظر إلى الرقم صفر بعينين حمراء وزرقاء. قال بصوت عميق، قديم، مخيف: "دعوتني."
"نعم."
"ماذا تريد؟"
نظر الرقم صفر حوله. إلى رفاقه المصابين. إلى الدماء على الأرض. إلى الخراب في كل مكان. ثم نظر إلى الأول.
"خذني. واتركهم."
ابتسم الأول. ابتسامة باردة، قاسية. "ولماذا أفعل ذلك؟"
"لأني أنا من تريده. أنا النسخة التي كسرت القاعدة. أنا من استخدم من قبله بدل أن يقتله. أنا التحدي الحقيقي لك."
صمت الأول. كان يفكر. يقيم. يحسب.
ثم قال: "اتفاق."
مد يده. وفي لحظة، اختفى الرقم صفر. اختفى مع الأول. كما لو أنه لم يكن موجوداً.
صرخ الجميع: "لا!"
زيرو تقدم. لكن الأوان كان قد فات. لم يبق منهما أثر.
نظر إلى السماء. إلى حيث اختفى أخوه. قال بصوت خافت: "سأنقذك. أعدك."
---
في مكان بعيد، في فضاء لا نهائي من المرايا والظلال، وجد الرقم صفر نفسه وحيداً. كان واقفاً في قاعة ضخمة، جدرانها من مرايا لا تعكس صورته، بل تعكس صوراً أخرى. صور نسخ قتلت. صور نسخ لم تولد بعد. صور حيوات عاشها ولم يعشها.
وأمامه، على عرش من جماجم النسخ، كان يجلس الأول.
قال الأول: "أهلاً بك في منزلي. في عالمي. في حقيقتي."
نظر الرقم صفر حوله. "أين أنا؟"
"في مكان لا يصل إليه إلا من يستحق. وأنت... استحقيت."
"لماذا؟"
ابتسم الأول. "لأنك مختلف. كل النسخ قبلك كانت تقتل من قبلها، وتظن نفسها الأصل. لكنك... أنت استخدمت من قبلك. جعلته يعتقد أنه الأصل. جعلته يحكم. بينما كنت أنت تتحكم من الخلف. هذا... عبقري."
نظر الرقم صفر إليه. "وأنت؟ ألست مثلي؟ ألست مجرد نسخة من نسخة؟"
ضحك الأول. ضحكة عالية، طويلة، مخيفة. "أنا لست نسخة. أنا الأصل. أنا البداية. أنا من خلق كل هذا."
"إذاً لماذا تخاف؟"
توقف الأول عن الضحك. نظر إليه بحدة. "ماذا قلت؟"
"أنت تخاف. أشعر بذلك. تخاف من أن يأتي من هو أقوى منك. تخاف من أن تفقد كل شيء. تخاف من أن تكون مثلنا... مجرد نسخة."
اقترب الأول منه. وقف أمامه. قال بصوت هادئ مخيف: "أنت جريء. وهذا سيقتلك."
"ربما. لكني قبل أن أموت، سأجعلك تشعر. سأجعلك تشعر بالخوف الحقيقي. بالوحدة الحقيقية. بالموت الحقيقي."
نظر إليه الأول طويلاً. ثم ابتسم. "أنا متشوق."
---
في المبنى المهجور، كان الجميع يبكون. الرقم ستة كانت تبكي على إصابتها. الرقم أربعة كان يبكي على أصدقائه. الرقم ثمانية وتسعة كانا يبكيان على خوفهما. حتى جيمي، الذي عاش قروناً، كان يبكي.
وقف زيرو في وسطهم. نظر إليهم واحداً واحداً. ثم قال بصوت عالٍ: "توقفوا."
نظروا إليه.
"البكاء لا يفيد. الرقم صفر ضحى بنفسه من أجلنا. من أجل أن نعيش. وأقل ما نقدمه له هو أن نكمل ما بدأه. أن ننتصر."
جيمي نظر إليه. "وكيف ننتصر بدونه؟"
ابتسم زيرو. "لسنا بدونه. هو معنا. في قلوبنا. في أرواحنا. في إرادتنا. وسنقاتل باسمه. وسننتصر."
نهض واحداً تلو الآخر. وقفوا جميعاً. مصابون، متعبون، خائفون. لكنهم وقفوا.
قال زيرو: "غداً... نواجه الأول. غداً... نحرر الرقم صفر. غداً... ننهي هذه اللعبة."
---
في القصر الإمبراطوري، كان الإمبراطور أندريان يستعد للمعركة. جنوده مصطفون. أسلحتهم جاهزة. وكان بجانبه... الرقم صفر الأول. أو ما تبقى منه هناك.
قال الإمبراطور: "متى نبدأ؟"
نظر الأول إلى الأفق. إلى المبنى المهجور في البعيد. ابتسم.
"الآن."
---
نهاية الفصل الخامس عشر.
